العودة   منتديات انا لوزا | aNaLoZa > المنتديات العامة > بيت الطلبة والطالبات - المنتدى التعليمى

بيت الطلبة والطالبات - المنتدى التعليمى دروس، شروحات، ابحاث، مذكرات، اسئلة واجوبة، نتائج الإمتحانات


1 
ShErEe


بحث عن العنف والفقر والجريمة في مصر - بحث علمى عن العنف والفقر والجريمة في مصر كامل بالتنسيق بصيغة word
بحث عن العنف والفقر والجريمة في مصر - بحث علمى عن العنف والفقر والجريمة في مصر كامل بالتنسيق بصيغة word
بحث عن العنف والفقر والجريمة في مصر - بحث علمى عن العنف والفقر والجريمة في مصر كامل بالتنسيق بصيغة word


العنف والفقر والجريمة في مصر ارتباك المجتمع
(1- 5)
إعداد- وحدة الدراسات والبحوث - إخوان أون لاين
الجريمة
مع مقدم العام 2006 نشرت وسائل الإعلام والهيئات الرسمية الحكومية وكذلك المنظمات الدولية مجموعةً من التقارير المتنوعة في موضوعاتها وكذلك في البيانات التي تحتوي عليها بحكم مستجدات الأمور حول الحال السياسي والاقتصادي والاجتماعي المصري، وغير ذلك من الملفات التي تشغل الرأي العام في مصر وخارجها حول هذا البلد العربي المسلم المهم.
وفي واقع الأمر فإن أهم الملفات التي تشغل الداخل والخارج هذه الأيام هي الملفات ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، مع ارتباط تأثيراتها وتداعياتها بالواقع السياسي في مصر واتجاهات الريح فيه، وهو ما يتضح بالفعل في السياسات الجديدة التي بدأت القوى السياسية المصرية في تبنيها تجاه هذه الملفات في مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية المصرية الأخيرة، لا سيما الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين.
والأول تأتي منطلقات اهتمامه من كونه الطرف الخاسر الأكبر- بعد الأحزاب السياسية المصرية- في عام الإصلاح السياسي والتغيير المنصرم 2005م حتى على مستوى الانتخابات التشريعية الماضية- 9 نوفمبر إلى 7 ديسمبر 2005م- فرغم الأغلبية الظاهرة أو المعلَنة التي حصل عليها الحزب الحاكم في الانتخابات إلا أن الإحصائيات النهائية أظهرت أنه لم ينجح من القوائم الرسمية للحزب الوطني في الانتخابات الماضية سوى 30.5% فقط من الـ444 مرشحًا الرسميين له، وباقي أغلبية الحزب الحالية في المجلس هي بفعل ضمِّ عدد من المستقلين خلال وبعد الانتخابات.
وقد اتضح من الانتخابات وغيرها من المؤشرات أن الحزبَ الحاكمَ فقدَ الكثيرَ من جماهيريته في السنوات الأخيرة لأسباب اجتماعية واقتصادية أكثر منها سياسية؛ حيث إن المجموعةَ الأخيرةَ من الأسباب تمس الأحزاب السياسية المصرية الضعيفة والتي لا تملك مفاتيح التغيير من الأساس، مع افتقارها إلى الأرضية الجماهيرية والبرنامج السياسي الجاد الذي يؤهلها لقيادة حركة تغيير فعالة.
ولذلك فإن الحزب الحاكم أيقَن أن عوامل اجتماعية ذات أسس أو أصول اقتصادية ذات تداعيات اجتماعية مثل الفقر والبطالة والعنوسة هي ما أدت في جانب من جوانبها إلى تراجع مستوى شعبية الحكومة المصرية والحزب الحاكم، وارتفاع نسبة السخط الجماهيري إزاء الحكم في البلاد بجانب عوامل أخرى بالطبع مثل انتهاكات حقوق المواطنين المادية والمعنوية وافتئات السلطة الحاكمة على كرامة المواطن ومتطلبات حياته الكريمة.
ولذلك يمكن فهم التحولات الكبيرة في الخطاب السياسي والإعلامي للحزب الحاكم تجاه "قضايا المواطن" و"محدودي الدخل" و"الاهتمام بالمجتمع" و"الاتجاه لزيادة الأجور" وأيضًا فهم التعديلات الهيكلية الكبيرة التي أدخلت على الحزب الوطني مؤخرًا وحتى مستوى الأمانة العامة للحزب؛ تركيزا على الأمانات ذات الصلة بالعمل الجماهيري- مثل أمانة التنظيم التي ترأَّسها المهندس أحمد عز بدلاً من كمال الشاذلي الذي خرج من الحكومة ومن الأمانة العامة للحزب- مع تأسيس أمانتين مساعِدتين جديدتين للحزب الوطني: الأولى للسياسات وتولاها رئيس لجنة السياسات في الحزب السيد جمال مبارك، والثانية للشئون البرلمانية وتولاها الدكتور مفيد شهاب أحد أهم الكفاءات القانونية في مصر لمواجهة الصعود البرلماني للإخوان المسلمين، والذي واكبه تقدم سياسي وجماهيري كبير للإخوان.
أما بالنسبة للإخوان المسلمين فإن مصدر المشروعية والشرعية المهم للجماعة هو الجانب الجماهيري لها في مواجهة الأباطيل القانونية غير الدستورية للنظام الحاكم، وبالتالي فإن البُعد الاجتماعي والاقتصادي في الدولة المصرية ولسياسات السلطة الحاكمة وتطورات أوضاع المواطن على هذين المستويين- الاجتماعي والاقتصادي- يُعتبر من أهم ما يمكن بالنسبة للإخوان حتى على مستوى الجانب العملي للتحليل.
وفي السياق العام ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعةٌ من التقارير الاقتصادية والاجتماعية المهمة، سواءٌ من أجهزة الحكومة ووزاراتها، مثل البنك المركزي المصري ووزارة التخطيط ووزارة الاستثمار، أو من لدن أطراف دولية أخرى لها تركيزٌ كبيرٌ على الأوضاع في العالم العربي والشرق الأوسط، وعلى رأسها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، الذي أصدر مؤخرًا تقريرَه السنوي عن التنمية البشرية في مصر لعام 2005م، ومن المفترض أن هذا التقرير- كما يقول في مقدمته التي كتبها الدكتور عثمان محمد عثمان وزير التخطيط ورئيس مجلس إدارة معهد التخطيط القومي- يقدم "محاولةً جسورةً لاستشراف رؤية مستقبلية لمصر ولاقتراح سبل ووسائل واقعية يمكن من خلالها تحقيق هذه الرؤية".
إلا أن الأمر ليس كذلك بالضبط، فالتقرير لا يقدم رؤيةً مستقبليةً بقدر ما يقدم صورةً قاتمةً لأوضاع اجتماعية واقتصادية سيئة للغاية للحالة في مصر حتى على المستوى التنموي العام وكذلك الاجتماعي والإنساني، واعترف التقرير بالفعل بالأوضاع التي يعاني منها المجتمع المصري على مختلف المستويات، لا سيما فيما يتعلق بقضية البطالة والأميَّة وحقوق الإنسان، وغير ذلك من مؤشرات التنمية البشرية في أية دولة من دول العالم والتي يقاس بها مدى تقدم الدولة أو تراجعها في السلم الحضاري.
أولاً: الفقر وقضايا تنموية وإنسانية عامة
يرتبط مفهوم الفقر بالتنمية ومدى نجاحها أو إخفاقها في تحقيق أهدافها، ولقد دأبت أدبيات التنمية الاقتصادية على دراسة الفقر وتعريفاته المختلفة وطرق قياسه، وهناك عدة أساليب لقياس الفقر وعدالة توزيع الدخول، ومنذ مطلع التسعينيات ومع انتشار تطبيق "وصفات" منظمات التمويل الرأسمالية الدولية- خاصةً البنك الدولي وصندوق النقد الدولي- حدثت انعكاساتٌ كبيرةٌ على اقتصاديات معظم الدول التي نفذت هذه "الروشتة" والتي تزايدت مديونيتُها الخارجية واتسعت الفروق بين دخول مواطنيها وحدث اختلالٌ كبير في توزيع الدخل.
لذلك بدأ البنك الدولي يخصِّص أجزاء من تقاريره السنوية لدراسة تطور الفقر في العالم، ويضخُّ ملايين الدولارات لمكافحة الفقر الذي جاء نتيجة تطبيق برامج البنك الدولي وزيادة اندماج اقتصاديات الدول النامية في الاقتصاد العالمي الذي تحركه مصالح الشركات الكبرى الدولية.
كما اهتمت الأمم المتحدة منذ سنوات بالتنمية البشرية من خلال البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والذي أصبح يُصدر منذ سنوات تقريرًا سنويًّا عن أحوال التنمية البشرية ويهتم بقياسها في مختلف دول العالم؛ بحيث ينتهي إلى تصنيف وترتيب دول العالم تبعًا لتطور الاهتمام بالتنمية البشرية داخل كل دولة.
والحقيقة أن انتشار الفقر هو انعكاس لرفع يد الدولة عن المرافق والخدمات وإطلاق ليد القطاع الخاص للتحكم في السوق والتباطؤ في إصدار قانون المنافسة ومنع الاحتكار وتوقف الدولة عن تعيين الخريجين، وزيادة الخضوع لمنظمات التمويل الدولية بما يساهم في انتشار الفقر وتفجير العنف والجريمة بكافة أشكالها كنتيجة لما يسمونه بالإصلاح الاقتصادي، ومن يتابع التحليلات التي أعقبت تفجير الأزهر الأخير سيجد عشرات التحليلات المهمة عن الحياة في العشوائيات وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي.
وتأتي مصر ضمن الدول ذات التنمية البشرية المتوسطة وترتيبها 120 بين 177 دولة يشملها دليل التنمية البشرية، ويكفي أن نعرف أنه من بين الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة تأتي إسرائيل في المرتبة 22 والبحرين 40 والكويت 44 وقطر 47 والإمارات 49 وكوبا في المرتبة 52. كما تسبق مصر بين الدول المتوسطة التنمية البشرية الجماهيرية الليبية والبوسنة والهرسك وفنزويلا والبرازيل ولبنان وجزر فيجي والمالديف وتركيا ثم الأردن وتونس والصين وسريلانكا وإيران والأراضي الفلسطينية المحتلة والسلفادور وغينيا وسوريا والجزائر وإندونيسيا وفيتنام وهندوراس ونيكاراجو.. ثم تأتي مصر في المرتبة 120، وبعدها تأتي المغرب والهند وكمبوديا وغانا وجزر القمر وبنجلاديش والسودان ثم الكاميرون آخر الدول المتوسطة التنمية البشرية.
وذلك ناتج عن تطبيق ما تسميه الحكومة بسياسات الإصلاح الاقتصادي وزيادة اندماج مصر في السوق العالمي وإطلاق حرية السوق وحرية القطاع الخاص وسحب يد الدولة من العديد من الخدمات والمرافق، ومن ضمن مؤشرات التنمية البشرية قياس "الفقر" وتطوراته المختلفة؛ لذلك يخصص جزءٌ لقياس الفقر البشري وفقر الدخل في البلدان النامية.
وقد ثار السيد وزير التخطيط- الدكتور عثمان محمد عثمان- من تقديرات التقرير حول الفقر في مصر كما جاء بجريدة (الأهرام) يوم 22 إبريل 2005م الماضي من اعتراض وزير التخطيط على كون الفقراء 34 مليونًا والموافقة على التقارير التي تقول إنهم بحدود 14 مليونًا وأن الفقراء فقرًا مدقعا لا تتجاوز أعدادهم 400 ألف فقط، والتشكيك في البيانات لن يغيِّر من الحقيقة شيئًا، فلا توجد مصلحةٌ في تقدير عدد الفقراء في مصر بشكل مبالغ فيه.
ويقول الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني في ذلك: "إذا كانت الأمم المتحدة تكذب فهل البنك الدولي- الممول الرئيسي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الحكومي- يكذب ليضرَّ بسمعة مصر، وهل تجرؤ الحكومة على تكذيب تقرير البنك الدولي؟ ولماذا الإصرار على إخفاء الحقيقة وتضليل الناس؟ أليست هذه نتائج سياسات ما تسمونه الإصلاح الاقتصادي"؟!
ويُقصد بفجوة الفقر الهبوط تحت خط الفقر، وهو ما يعكس عمق الفقر وشدة تأثيره، وهذه هي بيانات البنك الدولي وليست بيانات الحكومة أو الأمم المتحدة، وبذلك فمعدلات الفقر التي أعلنها البنك الدولي لا تختلف كثيرًا عما جاء ضمن تقارير التنمية البشرية- سيكون هناك وقفة خاصة مع تقرير 2005م الجديد الصادر في فبراير 2006م الحالي- ومن المهم هنا أن نوضح عدد السكان في كل فئة من الفئات التي تحدث عنها التقرير، فالأشخاص الذين يقل دخلهم اليومي عن 1 دولار (5.8 جنيه يوميًّا أي 174 جنيه شهريًّا) هم فقراء ويقدَّر عددهم بنحو 2.1 مليون شخص، وقد ارتفع عددهم بحوالي 205 آلاف شخص تدهورت دخولهم خلال الفترة الماضية.
وبالنسبة لمن يقل دخلهم اليومي عن 2 دولار (11.6 جنيه يوميًّا أي 348 جنيه شهريًّا) فيقدَّر عددهم بنحو 35.8 مليون شخص وخلال الفترة الماضية تدهورت أوضاع 7.8 مليون انخفضت دخولهم الحقيقية إلى مستوى أقل من 2 دولار يوميًّا.
كما يوجد تفاوت كبير في توزيع الدخل بين الطبقات؛ حيث أوضح تقرير التنمية البشرية أن أغنى 20% من السكان يحصلون على 43.6% من الدخل القومي بينما أفقر 20% لا يحصلون سوى على 8.6% من الدخل القومي بما يعكس التفاوت الطبقي وسوء توزيع الدخل وتركز الثروات وانتشار الإنفاق الترفي في مواجهة انتشار الفقر وكل هذه متوسطات أي ليست أرقامًا مطلقةً؛ لأن الأرقام المطلقة كما سوف نتعرف عليها في موضع لاحق من الدراسة بمثابة كارثة.
والجدول التالي يوضح معدلات الفقر في مصر طبقًا لإحصائيات البنك الدولي:
جدول رقم (1)
مؤشرات الفقر في مصر
( المصدر: مستخلص من بيانات البنك الدولي للإنشاء والتعمير)









ثانيًا: اتجاهات عامة حول الفقر في مصر
ينظر العالم من خلال الأهداف الإنمائية للألفية، إلى الأوجه المتعددة للتنمية البشرية، بما في ذلك تقليل عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع إلى النصف بحلول عام 2015م، ويُعتبر تخفيف حدة الفقر هو أشد التحديات التي تواجه مصر إلحاحًا، وبدخل الفرد البالغ 1530 دولار في المتوسط، وهناك اتفاق واسع النطاق على أن الفقر قد خفَّت حدته في العقد الماضي.
غير أنه في غيبة تقييم دقيق ومنظم للفقر كانت هناك اعتراضاتٌ حادَّةٌ على التقييم الصحيح لمدى حدوث الفقر، وقد تغيَّر هذا في عام 2002م، عندما اشتركت الحكومة مع البنك الدولي في استكمال دراسة حول تخفيف حدَّة الفقر، التي تُعتبر أكثر التحليلات المتعمقة لحالة الفقر في البلاد، وتبين النتائج أن حدوث الفقر في مصر انخفض من 19.4% عام 1995/1996م إلى 16.7% في 1999/2000م، وعلى الرغم من انخفاض حالة الفقر في المدن الحضرية ومصر السفلى إلا أنها في ارتفاع في الوجه القبلي، غير أن بطءَ الاقتصاد منذ العام 1999/2000م يُثير بعض القلق حول احتمال زيادة حدوث الفقر.
ويقول الكاتب الصحفي هشام القروي إن الفقر في مصر يقاس بمؤشراتٍ لا تتعلق بالدخل، مثل الصحة والتعليم، أيضًا فعلى الرغم من أن معدل الالتحاق الصافي بالمدارس الابتدائية يبلغ 88% إلا أن أميَّة البالغين لا تزال عاليةً؛ حيث تبلغ حوالي 35% وتصل إلى 50% في الريف مع معدل تسرب من التعليم بلغ 20% تقريبًا، وحتى مع إمكانية حصول الشعب بصفة شاملة على الرعاية الصحية إلا أن عدد الأطفال الذين يموتون قبل بلوغهم من العمر خمس سنوات يبلغ 39 لكل ألف من المواليد الأحياء، وهو لا يزال أعلى من الدول التي يمكن المقارنة معها.
وفيما تحسَّنت بعض المؤشرات المتعلقة بالنوع من عام 1993م إلى عام 2002م- مثل الإلمام بالقراءة والكتابة بين النساء الذي زاد من 34: 54%، ونصيب البنات من الالتحاق بالمدارس الابتدائية الذي زاد من 46.6: 48.6%- فإن الصورة الشاملة لا تزال تمثل انعدام مساواة شديد بين الجنسين، وتبين الإحصاءات الرسمية للبطالة أن البطالة بين الإناث تبلغ حوالي ثلاث مرات نسبة البطالة بين الرجال.
وعلى الرغم من أن اشتراك المرأة في قوة العمل قد زادت خمس مرات أسرع من الرجل خلال الفترة من 1980 إلى 1996 إلا أن معدل الاشتراك في عام 1996 كان 25% بالنسبة للنساء بالمقارنة بـ73% بين الرجال.
وستظل ندرة المياه تمثل تحديًا بالغ الأهمية بالنسبة لتخفيف حدة الفقر، فتبلغ المياه المتاحة لكل فرد نحو 950 مترًا مكعبًا في السنة، وهو مقدارٌ يقل حتى عن المتوسط الإقليمي البالغ 1200 متر مكعب سنويًّا؛ ومما يعقِّد مشكلة كمية المياه قضايا ترتبط بنوعيتها؛ نتيجةَ تشبع الأرض بالمياه والملوحة وتدهور النوعية بسبب التلوث، وتُشير تقديرات المسئولين إلى أن البطالة تبلغ 9.9% "على الرغم من أن المعتقد على نطاق واسع أنها أعلى"، ونمو قوة العمل نحو 5.5- 6% سنويًّا، أو نحو 550.000 شخص جديد يدخل قوة العمل كل سنة.
وسوف تحتاج مصر إلى تحقيق معدل نمو حقيقي مستدام لإجمالي الناتج المحلي يبلغ على الأقل 7% سنويًّا حتى تنخفض البطالة إلى مستويات يمكن التحكم فيها بدرجة أكبر، ومن أجل تحقيق هذه المستويات من النمو الاقتصادي واستدامتها يجب على البلاد أن تحفِّز مزيدًا من المدخرات المحلية والاستثمار المحلي، وأن ترفع مستوى الكفاءة وتزيد من المنافسة.. إن من الضروري بالنسبة للبلاد أن تحسن أداء التصدير وأن تعتمد بدرجة أقل على الموارد الخارجية المعرضة للصدمات ولا سيما السياحة.
وكذلك إذا استطاعت مصر أن تجذب مستويات أكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة فإن ذلك سيُسهِّل دمج البلاد في نماذج تجارية عالمية ونقل التكنولوجيا.


العنف والفقر والجريمة في مصر.. ارتباك المجتمع (2- 5)
الحلقة الثانية: المهمشون في مصر: دراسة وصفية
عناصر الدراسة
- الخطوات المنهجية للبحث
- أهمية البحث وأهدافه
- فروض الدراسة
- الدراسات السابقة المعتمد عليها (مراجعة الأدبيات السابقة)
- النتيجة النهائية
أهمية البحث وأهدافه
تنطلق أهمية هذا البحث في وصفِ المهمشين في المجتمعِ المصري والتأثير الذي يتبادلونه مع المجتمعِ وإظهار قيم هذه الشريحة الطبقية ودورها في المجتمعِ المصري المعاصر على الصعيدِ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك برفع الواقع الحالي لهذه الطبقة.
كما تهدف هذه الدراسة إلى تحليلِ صورةِ المهمشين في المجتمعِ المصري وتأثيرهم المتبادل مع المجتمعِ مع الوقوفِ على القيمِ الثقافيةِ الاجتماعية والسياسية التي يتبناها طبقة المهمشين في المجتمع المصري.
وتنبع أهمية مثل هذا البحث من أهميةِ هذه المجموعة من الناسِ في المجتمعِ المصري؛ حيث يشكلون نحو ما بين 75% و80% من تعدادِ السكان في مصر ويشملون الفئات الدنيا في الطبقة الوسطى في المجتمع المصري كذلك الطبقة الأدنى من هذا المجتمع بمختلف فئاتها وشرائحها وهي "الأغلبية الصامتة" بحسب التعبير السياسي السائد والتي تسعى الدولة إلى تحييدها بشكل كامل على أهميتها في عملية التغيير الشعبي على النحو الذي جرت به ثورة 1919م على سبيل المثال؛ حيث كان الناس من هذه الشرائح والفئات هم الوقود الرئيسي والمحرك الأساسي للثورة التي لم تكن مجرَّد فورة حماسة للمثقفين أو تحرك "فوقي" للارستقراطية العسكرية على سبيل المثال كما في حالة حركة 23 يوليو 1952م.
وفي السياقِ العام تطرح مجموعة من التساؤلاتِ حول هذا الملف المهم سياسيًّا واجتماعيًّا والتي سوف تتم محاولة الإجابة عنها في هذا المجال وعلى رأسها بطبيعة الحال مَن هم المهمشون؟، وما نسبة المهمشين في المجتمع المصري؟، وما المشكلات التي تواجه المهمشين؟، وأيضا هل التهميش نتاج للسياسات العامة للدولة؟ أم نتاج الخصائص الثقافية النابع من الفقراء أنفسهم؟، وما أبرز القيم الثقافية التي يتبناها المهمشون في المجتمع المصري؟ وأخيرًا- وهو تساؤل مهم بالفعل- هل للمهمشين دور في المشاركة الفاعلة على الساحة السياسية المصرية؟.
فروض وتعريفات مبدئية
تنطلق هذه الدراسة من فرضيتين رئيسيتين أولاهما أنه توجد علاقة طردية بين السلبية السياسية والاجتماعية ومعدلات الدخل المنخفضة في غير وقتِ الأزمات، أما الفرضية الثانية فهي تلك المتعلقة بأنه كلما ارتفع مستوى الدخل وزاد التعليم أمكن تقويض مكمن الخطر في دائرة المهمشين في المجتمع.
أولاً: مَن هم المهمشون؟
المهمشون هم كما يعرفهم البعض بالذين يعملون على هامش الاقتصاد المجتمع، أو يتواجدون على هامش الحياة العامة في أيةِ دولة، ولا يُعلم لهم دخل محدد، ولا تعترف لهم الدولة بوضعٍ قانوني؛ ومن ثَمَّ لا تمنحهم أي تأمين اجتماعي أو صحي.
ومن بينهم الباعة الجائلون في الشوارع والأسواق، وعمال التراحيل، والعمال في القطاع العائلي، وعمال اليومية والمواسم، والعمالة غير الماهرة، وخدم المنازل ومَن في حُكمهم من العمالةِ المعاونة، والعمال غير الثابتين في المنشآت الكبيرة، والعمال الأطفال، فضلاً عن الذين يحترفون حرفًا ومهنًا خدميةً أو إنتاجيةً مختلفةً، ولكنهم في نفس الوقتِ لا يملكون منشآت يمارسون عبرها حرفهم ومهنهم، وقد يملكون بعض أدوات عملهم أو لا يمتلكونها، فهم يعملون بالقطعة أو اليومية أو بالساعة أو بالمهمة، أو حتى في المواسم، وقد يعملون في منازلهم أو في المنشآت الصغيرة.
ويضاف إلى كل هؤلاء المتعطلون عن العمل، وباختصار فإن المهمشين هو ذلك القطاع من الطبقة العاملة غير المنظم ولا المستقر، والذي يعمل غالبًا في القطاع غير الرسمي من الاقتصاد، وقد ينحدر بعضهم لعالم التسول والاعتماد على إحسانات الخيرين من الناس، أو التشرد، أو ارتكاب بعض الجرائم.
ويمكن اعتبار العمال "الأرزقية" من أهم مكونات وشرائح المهمشين في المجتمع المصري مع كونهم أولاً الأكبر عددًا والأوسع انتشارًا في المدن أو الحضر وفي الريف- الوجهين القبلي والبحري- وفي السياق يمكن أيضًا تصنيف الأرزقية إلى ثلاثة أصناف رئيسية هي:
تجار الشوارع: ولهم أصناف فرعية ثلاثة؛ الأولى هي طائفة "السًّرِّيحة" وهم من "يسرحون" في الشوارع والمواصلات العامة و(يحملون بضائعهم في أيديهم)، ثم الباعة الجائلون وهم الذين "يتجولون" في الشوارع (دافعين أمامهم عربات تحمل بضائعهم) وأخيرًا صغار الباعة في الأسواق العشوائية وغير العشوائية.
عمال التراحيل الجدد ("الأرزقية" القُّح): وهم العمال غير المهرة (أي الذين لا يحترفون حرفة معينة، وليس لديهم ما يقدمونه إلا قوتهم البدنية)، وتجدهم جالسين على الأرصفة في الميادين والشوارع ينتظرون من يطلبهم لعمل يتطلب قوة بدنية (كأعمال الهدم، وتنزيل البضائع الثقيلة، ومواد البناء، ورفع مواد البناء للأدوار العليا.. وغير ذلك).
الفنيون أو "الصنايعية": وهم مَن يحترفون حرفة معينة (كالنقاشين ومحترفي ميكانيكا السيارات وفنيي الكهرباء والسباكين وغيرهم)، وفيهم من يمتلكون الورش أو المحالّ التي يقدمون من خلالها أعمالهم، ومنهم مَن لا يمتلك.
وهناك أيضًا فئات خاصة ضمن "الأرزقية"، مثل: النساء العاملات في القطاع غير الرسمي (وهن في العادة من النساء اللائي يَعُلْن أسرًا أو يساهمن في إعالتها)، وعمالة الأطفال ولهم وضع اجتماعي وقانوني خاص باعتبارهم أطفالاً، وأطفال الشوارع وهم إما تطورًا سيئًا للأطفال العاملين، وإما أنهم أطفال للأسر التي يعولها صنف من الأصناف الأخرى السابقة الذكر، وأخيرًا هناك العاملون في الأرضِ الزراعية دون أن يكون لهم سند ملكية أو عقود إيجار فقط يعملون بالأجرة بشكلٍ غير مستقرٍ ولفتراتٍ غير دائمة.
ثانيًا: ما نسبة المهمشين؟
أولاً وكما سبق الإشارة يقصد بفجوة الفقر الهبوط تحت خط الفقر، وهو ما يعكس عمق الفقر وشدة تأثيره، وهذه هي بيانات البنك الدولي وبيانات الحكومة والأمم المتحدة أيضًا (راجع الحلقة الأولى من الدراسة لمزيدٍ من التفاصيل).
وفي مصر يوجد تفاوت كبير في توزيع الدخل بين الطبقات مما أدى إلى ازدياد وطأة ظاهرة المهمشين وتنامي عددهم داخل المجتمع المصري؛ حيث أوضح تقرير التنمية البشرية، مصر- 2005م، الصادر عن برنامجِ الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومعهد التخطيط القومي مؤخرًا أن أغنى 20% من السكان يحصلون على 43.6% من الدخل القومي، بينما أفقر 20% لا يتحصلون سوى على 8.6% من الدخل القومي بما يعكس التفاوت الطبقي وسوء توزيع الدخل وتركز الثروات وانتشار الإنفاق الترفي في مواجهة انتشار الفقر.
وقال التقرير: إنَّ الملامحَ الأساسية لما يُمكن تسميته بـ"الحرمان البشري" في مصر تتمثل في الفجوة الكبيرة بين الريف والحضر، خاصةً ومن بين هذه الملامح أيضًا أن السكان الذين لم تصلهم مياه نظيفة في العام فقط بلغوا نحو 6.1 ملايين نسمة وأن 4.4 مليون يعيشون دون صرفٍ صحي وأن حجم الأمية يصل إلى 21 مليونًا بالإضافة إلى أنَّ الفقراء في مصر يبلغون نحو 14.15 مليون نسمة في العام 2005م مقارنةً مع 11.1 مليون فقط في العامِ السابق عليه؛ 2004م ووصل عدد السكان الأشد فقرًا إلى 3.3 مليون في العام المنصرم، 2005م، أما بالنسبةِ لحجم العمالة، فقد ارتفعت البطالة إلى 11% قابلة للزيادة بسبب ضعف الهجرة إلى الخارج.
كما أشار تقرير للأمم المتحدة حول التنمية الإدارية إلى وجود 5.2 مليون مصري يعيشون في "فقرٍ مدقع"، وانخفض دخل 3.1% من المصريين عن 100 جنيه شهريًّا، وقالت التقارير أيضًا: إن 30% من أطفال الفقراء يعانون مرض "التقزم" خاصةً في الريف و54% يُعانون الأنيميا.
وكشف تقرير حديث للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أنَّ 12 مليون مصري يعيشون في العراءِ بلا مأوى، وأوضح التقرير أن هؤلاء يعيشون في المقابر والعشش والجراجاتِ والمساجد وتحت السلالم، وأشار التقرير إلى أن 1.5 مليون مصري يعيشون بالقاهرة في مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثي وجبانات عين شمس ومدينة نصر ومصر الجديدة.
كما أكد التقرير أنَّ الخارجين على القانون يتخذون المقابر مسرحًا لتنفيذ جرائمهم، كما أنه توجد في مصر 1.032 منطقة عشوائية في جميعِ المحافظات، وأشار التقرير إلى أنَّ معظم المقيمين هناك مصابون بأمراضِ الصدر والحساسية والأنيميا والأمراض الجلدية.
ثالثًا: ما المشكلات التي تواجه المهمشين؟
جاء في تقريرٍ للبنكِ الدولي نُشر أخيرًا على شبكةِ المعلومات العالمية "الإنترنت" أنَّ المشاكلَ المتفشية في المجتمع المصري والتي تلاحق طبقة المهمشين هي:
أولاً: الفقر
خلال العقود الثلاثة الماضية كانت مصر قد حسنت بدرجة كبيرة من رفاهية الناس، وبالذات من حيث المؤشرات الاجتماعية، حيث تحسَّن مستوى تقديم خدمات التعليم والصحة للسكان بدرجة جوهرية من أوائل السبعينيات وحتى عام 2002م ارتفع متوسط العمر المتوقع للمواطن من الجنسين من 53 إلى 69 سنة، ونقص عدد الأطفال الذين يموتون قبل أن يبلغوا السنة الأولى من العمر من 110 إلى 33 (لكل 1000 من المواليد الأحياء) وزاد معدل الالتحاق الصافي بالمدارس الابتدائية من 63 إلى 92% وخلال نفس الفترة، زاد تعداد سكان مصر من 36 إلى 68 مليونًا غير أن معدل الخصوبة بين عام 1980م وعام 2002م نقص من 5.1 إلى 3 من الأطفال لكل امرأة، وبالتالي انخفض معدل النمو السكاني من 2.5 إلى 1.98%.
والمتتبع لمسيرة الاقتصاد المصري في الفترة الماضية يجد أن نمو مصر السريع بين عامي 1979م و 1986م قد انتهى بسبب انهيار أسعار البترول كما تعرضت البلاد لبطء اقتصادي أثر على المنطقة كلها وليس على مصر فحسب وبدأت فترة من السياسات التي اهتمت بالوضع الداخلي واقتراض كبير الحجم والمدى.
ومن خلال ما سبق ذكره من مؤشرات فلا تزال عملية تخفيف حدة الفقر هي أشد التحديات إلحاحًا؛ حيث إنه وفي غيبة تقييم دقيق ومنظم للفقر لا يمكن وضع أساس متين لمزيد من الجهود المستهدفة لتخفيف حدة الفقر كما أن بطء حركة الاقتصاد منذ العام 1999م/2000م يثير بعض القلق حول احتمال زيادة حدوث الفقر في مصر كما طالعتنا الأرقام السالفة الذكر حول معدلات الفقر في مصر بين عامي 2004م و2005م.
كما يمثل الفقر في مصر- كما يقاس بمؤشرات لا تتعلق بالدخل مثل الصحة والتعليم أيضًا- تحديًا كبيرًا، فعلى الرغم من أن معدل الالتحاق الصافي بالمدارس الابتدائية يبلغ 88%، إلا أن أمية البالغين لا تزال عالية؛ حيث تبلغ حوالي 35% في المتوسط وحتى مع إمكانية حصول الشعب بصفة شاملة على الرعاية الصحية، إلا أن عدد الأطفال الذين يموتون قبل بلوغهم من العمر خمس سنوات يبلغ 39 (لكل ألف من المواليد الأحياء)، وهو لا يزال أعلى من الدول التي يمكن المقارنة معها مثل بلدان الخليج العربي وبلاد الشام.
وفيما تحسنت بعض المؤشرات المتعلقة بالنوع من عامي 1993م إلى 2002م مثل الإلمام بالقراءة والكتابة بين النساء، الذي زاد من 34 إلى 54%، ونصيب البنات من الالتحاق بالمدارس الابتدائية، الذي زاد من 46.6 إلى 48.6%؛ فإنَّ الصورةَ الشاملةَ لا تزال تمثل انعدام مساواة شديد بين الجنسين.
كما تبين الإحصاءات الرسمية للبطالة أنَّ البطالةَ بين الإناث تبلغ حوالي ثلاث مرات نسبة البطالة بين الرجال وعلى الرغم من أنَّ اشتراك المرأةِ في قوةِ العمل قد زادت خمس مرات أسرع من الرجل خلال الفترة من 1980م إلى 1996م، إلا أن معدل الاشتراك في عام 1996م كان 25 في المائة بالنسبة للنساء بالمقارنة بـ 73 في المائة بين الرجال.
أيضًا ستظل ندرة المياه تمثل تحديًا بالغ الأهمية بالنسبة لتخفيف حدة الفقر في مصر فتبلغ المياه المتاحة لكل فرد نحو 950 مترًا مكعبًا في السنة، وهو مقدار يقل حتى عن المتوسط الإقليمي البالغ 1200 متر مكعب سنويًّا، ومما يعقد مشكلة كمية المياه قضايا ترتبط بنوعيتها نتيجة تشبع الأرضِ بالمياه، وارتفاع نسبة الملوحة وتدهور النوعية بسبب التلوث.
ونمو مصر الاقتصادي حتمي لتخفيف حدة الفقر كما أنَّ معالجةَ البطالة عن طريق توفير الوظائف لسكان مصر المتزايدين في سنِّ العمل، حيوي بنفس القدر، ليس فقط بالنسبة للنمو، ولكن بالنسبة لتحقيقِ الاستقرار الاجتماعي أيضًا.
ثانيًا: البطالة وأسبابها
يعرِّف البعض البطالة بأنها بوجهٍ عامٍ هي تعبير عن قصور في تحقيقِ الغاياتِ من العمل في المجتمعاتِ البشرية، وحيث الغايات من العمل متعددة، تتعدد مفاهيم البطالة فيقصد بالبطالة السافرة وجود أفراد قادرين على العمل وراغبين فيه، ولكنهم لا يجدون عملاً، وللأسف يقتصر الاهتمام بالبطالة، في حالاتٍ كثيرة، على البطالة السافرة فقط.
لكن مفهوم البطالة، أو نقص التشغيل، يمتد إلى الحالات التي يمارس فيها فرد عملاً ولكن لوقتٍ أقل من وقتِ العمل المعتاد، أو المرغوب، وتُسمَّى هذه الظاهرة البطالة الجزئية الظاهرة أو نقص التشغيل الظاهر، ويمكن اعتبار نقص التشغيل الظاهر تنويعة على البطالةِ السافرة.
ويحدث في بعض المجتمعات أن يُعاني بعض من أفرادها، في الوقت نفسه، زيادةً في التشغيل، بمعنى عملهم وقتًا أطول من معيار معتاد لكي يتمكنوا من الوفاء باحتياجاتهم، وهو وجه آخر من أوجه اختلال التشغيل في المجتمع.
كذلك يمكن أن يُعاني الأشخاص المشتغلون، ولو كل الوقت المعتاد، نقصَ التشغيل المستتر أو البطالة المقنعة، عندما تكون إنتاجيتهم، أو كسبهم، أو استغلال مهاراتهم وقدراتهم، متدنيةً حسب معيار ما، وهذه "أخبث" أنواع البطالة، خاصةً في المجتمعاتِ النامية؛ حيث نقص التشغيل المستتر هو الوجه الآخر لتدني الإنتاجية الاجتماعية للعمل المبذول؛ أو لقصور الدخل من العمل عن الوفاء بالحاجات الأساسية، ومن ثَمَّ انخفاض مستوى الرفاه الاجتماعي الكلي، أي "الإفقار"؛ أو لإهدار الطاقات البشرية والاستثمار في التعليم نتيجة قلة التوافق بين نظم التعليم واحتياجات سوق العمل؛ أو لتحمل شروط عمل غير آدمية مثل وقت عمل بالغ الطول أو بيئة عمل مضرة؛ وكلها قسمات جوهرية للتخلف.
ومن أسفٍ، أن نقص التشغيل المستتر لا يَلقى العنايةَ الواجبةَ في مناقشة البطالة ويعود هذا، أساسًا، إلى الصعوبات الكبيرة التي تحيط بهذه الظاهرة، في الفهم والقياس والتشخيص والعلاج.
ويتأثر تقدير حجم البطالة في مصر بالمشاكل المفاهيمية والعجز الإحصائي بالشكل الذي ظهر فيما سبق، حيث إنَّ أول ما يواجهنا من عقبات عند التصدي لقضية البطالة هو قلة البيانات وعدم دقتها بشكلٍ يقود إلى تصور إجراءات التصحيح والعلاج.
ويمكننا تتبع تطور حجم مشكلة البطالة في مصر من خلال بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول تقدير حجم البطالة؛ حيث نجد أنه في عام 1960م كان معدل البطالة 2.5% من إجمالي حجم القوى العاملة، وفي تعداد 1976م قفز الرقم إلى 7.7% ثم إلى 14.7% من تعداد 1986م، ولكنه وصل في 1996م إلى 8.8%.
على أنه من المهم هنا أن تشير إلى أن تلك الأرقام تتعلق فقط بالبطالة السافرة فهي لا تشمل البطالة المقنعة الإنتاجية كما لا تشمل البطالة الموسمية أي هؤلاء الذي يعملون في موسم معين- مثل القطاع السياحي في أسوان في فصل الشتاء أو شرم الشيخ صيفًا- ثم يتعطلون باقي العام كما لا تشمل أولئك الذين يعملون في حرف وقطاعات هامشية لا استقرار فيها تتسم بضعف الدخل للدرجة التي لا توفر الحياة اللائقة.
أما بالنسبة لرقم ومعدل البطالة الحقيقية في الوقت الراهن فهناك اختلاف فيها، فبيانات الحكومة متمثلة في الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تشير إلى أن عدد العاطلين في مصر قد بلغ نحو 1.78 مليون عاطل في بداية عام 2002م بما يعني أن معدل البطالة قد بلغ نحو 9.1 % من إجمالي تعداد القوى العاملة في مصر وبالمقابل تشير بيانات البنك المركزي المصري في نشرته الإحصائية والشهرية الصادرة في أبريل 2002م، إلى أن عدد العاطلين في مصر ثابت عند 1.5 مليون عاطل من العام المالي 69/97م وحتى العام المالي 2000م/2001م حيث بلغ 7.6% من إجمالي قوة العمل البالغ نحو 19.5 مليون نسمة.
وتشير تقديرات المسئولين في العام 2004م/2005م إلى أن البطالة تبلغ 9.9% (على الرغم من أن المعتقد على نطاق واسع أنها أعلى وتصل إلى 11%)، ونمو قوة العمل نحو 5.5- 6% سنويًّا، أو نحو 550 ألف شخص جديد يدخل قوة العمل كل سنة، وسوف تحتاج مصر إلى تحقيق معدل نمو حقيقي مستدام لإجمالي الناتج المحلي يبلغ على الأقل 7% سنويًّا حتى تنخفض البطالة إلى مستويات يمكن التحكم فيها بدرجة أكبر.
ومن أجل تحقيق هذه المستويات من النمو الاقتصادي واستدامتها، يجب على البلاد أن تحفز مزيدًا من المدخرات المحلية والاستثمار المحلي، وأن ترفع مستوى الكفاءة تزيد من المنافسة؛ لأنه من الضروري بالنسبة للبلاد أن تحسن أداء التصدير وأن تعتمد بدرجة أقل على الموارد الخارجية المعرضة للصدمات، ولا سيما السياحة وكذلك إذا استطاعت مصر أن تجذب مستويات أكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن ذلك سيسهل دمج البلاد في نماذج تجارية عالمية ونقل التكنولوجيا.
ثالثًا: أسباب مشكلة البطالة
ترجع أسباب مشكلة البطالة في الجزء الأكبر منها إلى أسباب هيكلية تعود إلى طبيعة نمو الاقتصاد المصري كاقتصاد نامٍ يعاني اختلالات هيكلية داخلية وخارجية تتمثل في الاختلال في ميزان المدفوعات والاختلال في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب وجود فجوة كبيرة بين كل من الادخار والاستثمار وبالتالي الإنتاج والاستهلاك.
ولا شك أنَّ البحثَ في أسباب مشكلة البطالة لا بد من ربطه بنمط عملية التنمية السائدة فقد شهد الاقتصاد المصري تقلب في أكثر من نمط من أنماط التنمية، فمن نمط الاقتصاد الحر الرأسمالي قبل ثورة يوليو 52، إلى نمط الاقتصاد الاشتراكي الموجه مع ما صاحبه من التزام الدولة باستيعاب الجزء الأكبر من العمالة في دولاب العمل الحكومي بشقيه الإنتاجي والخدمي؛ حيث أدى ذلك إلى خفض معدلات البطالة في تلك الفترة فرغم ما مرَّ به الاقتصاد المصري في الفترة من 1968م إلى 1973م من صعوبات نتيجة لتوجيه وتعبئة الجزء الأكبر من موارده لصالح الاتفاق العسكري إلى جانب ما صاحبه ذلك من تدهور معدل الاستثمار المحلي إلا أنَّ معدلات البطالة في تلك الفترة كانت تدور حول معدلات منخفضة إذا ما قُورنت بالوقت الراهن (2.2 % من حجم قوة العمل)؛ الأمر الذي قد يرجع إلى استيعاب القوات المسلحة لجزء كبير من قوة العمل مع زيادة سنوات الخدمة العسكرية.
ومع بداية تحول الاقتصاد المصري من نمط التنمية المعتمد على الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى تنفيذ ما سمي بسياسات الانفتاح الاقتصادي في النصف الثاني من السبعينيات اتجهت معدلات البطالة نحو الارتفاع النسبي إلا أنَّ هذا الارتفاع ظل في الحدودِ المقبولة فقد تراوح معدل البطالة ما بين 2.3% و5.6% طوال هذه الفترة؛ حيث مكَّنت زيادة حجم الإنفاق الحكومي في ذلك الوقت من إعادةِ الإعمار وزيادة موارد مصر من النقد الأجنبي سواء كان ذلك من البترول أو تحويلات العاملين بالخارج أو حصيلة السياحة، إضافةً إلى القروضِ الضخمة التي حصلت عليها مصر آنذاك، كما ساهم استيعاب أسواق العمالة بالخليج العربي لأعدادِ كبيرة من العمالِ والفنيين المصريين في تأجيلِ انفجار مشكلة البطالة إلى عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ حيث شهدت فترة الثمانينيات العديد من العوامل التي أدَّت إلى تفاقمِ مشكلةِ البطالة.
رابعًا: البنك الدولي وقضيتا الفقر والبطالة في مصر (ملامح عامة)
من خلال تقارير البنك الدولي فإنَّ الهدفَ المحوري لإستراتيجية مجموعة البنك الدولي بالنسبة لمصر هو تخفيف حدة الفقر والبطالة وتوفر الإستراتيجية الإطار للعمل التحليلي، وعمليات الإقراض، والحوار مع مجموعات أخرى حول أهداف التنمية في مصر، ويركز البنك الدولي، بالتعاون الوثيق مع السلطات، على ثلاثة تدخلات رئيسية:
تدخلات مستهدفة لتخفيف حدة الفقر: تحقيقًا لهدف مكافحة الفقر، يوجه معظم تركيز البنك الدولي إلى النشاطات في هذه الفئة، وهذا أيضًا هو المجال الذي يمتلك فيه البنك الدولي خبرةً قويةً في مصر كما يمتلك الدعم التحليلي لتعميق اشتراكه وتشمل المجالات المحددة للعمل: التعليم الأساسي، الحماية الاجتماعية، وتعزيز شبكة الأمن الاجتماعي؛ إصلاح القطاع الصحي، بما في ذلك تدعيم نظام التأمين وإدخال تحسينات في مجال الإدارة والتحول اللا مركزي؛ ومشروعات مكثفة في المناطق الريفية والوجه القبلي في كل جوانب تحسينات المؤشرات البشرية؛ وإستراتيجيات جديدة لمعالجة القيود التي تخضع لها خدمات المياه وتصريف مياه الفضلات.
تدخلات ذات أثر غير مباشر على تخفيف حدة الفقر: تدعم مساعدة البنك الدولي في هذا المجالِ التدخلات التي قد تكون لها منافع رئيسية غير مباشرة بالنسبة للفقراءِ من حيث تعزيز نمو ذي قاعدة عريضة، أو تنمية المناطق الفقيرة، أو بناء مؤسسات فعالة، وتركز عمليات محددة تحسينات في التعليم العالي، وتنمية المهارات، وعلى الري والتصريف.
تدخلات تدعم النمو الأكبر والمستدام: وتشمل هذه التدخلات دعم استقرار الاقتصاد الكلي، وإعادة الهيكلة المرحلية لقطاعي البنوك والشركات، وتحسين البنية الأساسية لتحقيق تنافس أكبر. كما تشمل دمج مصر تدريجيًّا في الأسواق العالمية، ولا سيما في نطاقِ اتفاق الارتباط بالاتحاد الأوروبي.
نماذج من بعض الدراسات الميدانية حول واقع المهمشين
الدراسة الأولى: سكان المناطق العشوائية بين الثقافة والفقر وإستراتيجيات البقاء
معد الدراسة: "الدكتورة ضحى عبد الغفار".
جهة الإعداد: "كلية البنات- جامعة عين شمس".
موجز عام: "تعتبر العشوائيات وأحوالها السكانية تحديًّا للنظام الاجتماعي في مصر وعقبة أساسية من عقبات التنمية الاجتماعية والثقافية وتضم مصر 434 منطقة عشوائية تختص مدينة القاهرة وحدها بـ88 منطقة يسكنها حوالي 50% من سكان القاهرة البالغ تعدادهم نحو ما بين 17 إلى 19 مليون نسمة بحسب الإحصائيات الخاصة لعام 2004م/2005م، وتقول الحكومة المصرية إن هذه المناطق تحتاج إلى 3.485 مليار جنيه مصري لإدخال المرافق الأساسية بها فقط، وقد لوحظ أن هذه المناطق تعتبر أداة مهمة لتفريخ الجريمة والإرهاب كما أنها تحتوي على بعض الظواهر مثل "عمالة الأطفال، وانتشار المخدرات، وغياب الوعي الصحي والثقافي".
أهم أنواع هذه المناطق وخصائص سكانها: "مناطق واضعي اليد مثل منشية ناصر والدويقة، والمناطق التلقائية مثل عرب المحمدي"، أما بخصوص ساكني هذه المناطق فمن أهم خصائصهم "عدم التنظيم الاجتماعي"؛ حيث إنها تعتبر حضانات لجميع أنواع الأمراض الاجتماعية حيث يسود الفقر والجرائم والأمية والبطالة وعدم القدرة على الاندماج في حياة المدينة وعدم وجود التماسك الاجتماعي أو التعاون بين هؤلاء السكان، كما أنهم يوصفون في بعض الدراسات بأنهم "الهامشيون الحضريون"- كما يقول الدكتور جلال معوض أستاذ العلوم السياسية الكبير الراحل- وهم طبيعيًّا محرومون من الخدمات العامة وهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا بعيدين تمامًا عن الحياة الحضارية".
العلاقة بين ثقافة الفقر والمجتمع: "وتشمل هذه الفئة علاقة الفقراء بالمجتمع فهم لا يشاركون مشاركة فعالة وكاملة في المجتمع وذلك لاتسامهم بالعزلة والخوف والشك واللامبالاة من الناحية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حيث إنهم من منخفضي الأجور ومن مستخدمي الأشياء المستعملة ويعيشون في إسكان غير مناسب ومزدحم مع قلة تطور الخدمات".
الصفات السيئة: "تتوافر في سكان العشوائيات في مصر من المهمشين مجموعة من السمات السلبية مثل هجر الأزواج للأسر والعنف وتمركز الأسرة حول الأم كما أن لديهم شعورًا بـ"القدرية" و"الاتكائية" و"عدم احترام الذات والإحباط".
أهداف الدراسة: "تركز هذه الدراسة على الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تشكل مجتمع العشوائيات بمدينة القاهرة، وتساؤلات الدراسة هي: ما هي الأنماط الأساسية للنشاط السكاني لهذه المنطقة للمحافظة على استمرارية بقائها؟، ما هو النشاط الذي تكون له الأولوية لديهم؟، هل هذه النشاطات فردية أم جماعية؟".
المجال الزمني للدراسة: "من يوليو 1993م حتى مارس 1994م".
المجال الجغرافي: "عزبة الهجانة بشرق القاهرة".
التشكيل السكاني: "عدد الأسر: 2632، عدد السكان: 6813 ذكور و6331 نساء".
مشاهدات الدراسة: "عدم وجود مرافق أساسية وبنية تحتية: من (مياه ومدارس ومستشفيات وطرق مرصوفة ومساجد وغيرها).
أنماط الأسرة في هذه المنطقة: أغلب هذه الأسر مهاجرون من مناطق ريفية ويرتبطون مع بعضهم بعلاقات نسب ومصاهرة ويمتهن معظم أفرادها مهنًا حرفية (ورش إصلاح سيارات ودوكو وكهربائية ونقاشين.. إلخ)".
من نتائج البحث
"أ- على الصعيد الاقتصادي:
تبين أن معظمهم يستخدم مسكنه مصدرًا مباشرًا للدخل مثل تحويل جزء من السكن إلى (محل تجاري أو ورشة تصليح أو حجرة للإيجار.. إلخ) كما يوجد دخل عيني يكون المسكن مصدرًا له ألا وهو تربية الطيور والماعز والخراف فوق الأسطح وهذا يعتبر جزءًا أساسيًّا لعمل المرأة المنزلي وهذا يدل على الأصول الريفية لهؤلاء السكان ويتضح أيضًا وجود مصادر دخل تتم بشكل جماعي حيث إن الأسرة جميعها تكون مصدرًا للدخل، ومثالاً على ذلك عمالة الأطفال عن طريق تدريب الأطفال على (أعمال السباكة والسمكرة والبياض.. إلخ) لكي يكونوا مصدرًا للدخل المستقبلي. ب- على الصعيد السياسي:
تضم هذه المناطق المعزولة سياسيًّا فبنظرة واحدة لمحاولات السكان للحصول على خدمات ومجهودات والمبالغ المادية التي تقدم إليهم من مصادر القوة والسلطة السياسية مثل كبار المسئولين والمجهودات التي يبذلونها لتملك الأراضي العشوائية أو توضيح وضعهم القانوني تقدم دليلاً آخر على علاقتهم السياسية بالسلطة وعلاقاتهم مع كبار واضعي اليد والتي تظهر بها علاقات المتبوع بالتابع كما تظهر أيضًا علاقات التوحد أمام قرارات الإزالة لهذه المناطق التي غالبًا لا تتم وذلك لعدم وجود الثقة بين السكان وأجهزة الحكم وذلك ينم عن وعي سياسي بسيط لأفراد هذه الطبقة، وأخيرا: فإن السمة العامة لسكان العشوائيات في علاقاتهم السياسية أنها ليست فرديةً وإنما جماعيةٌ وهذا يمثل خطورةً سياسيةً من وجهة نظر الدولة".

الدراسة الثانية: ظاهرة ساكني المقابر بالقاهرة
معد الدراسة: "الدكتور محمود الجوهري".
جهة الإعداد: "كلية الآداب- جامعة عين شمس".
الدوافع الرئيسية لساكني المقابر: "بحثهم عن مأوى بعد الهجرة من الريف فلا تجد هذه الفئة سوى المقابر تضمهم وتشجعهم على ذلك وأحيانًا لوجود أقارب لهم هناك ولعل أهم الأسباب فعليًّا هو (الاكتظاظ السكاني لمدينة القاهرة مع ما يشمله من مشكلات المساكن الآيلة للسقوط والانهيارات الفعلية أما البطالة فتشكل هي الأخرى حافزًا للبحث عن العمل في أي مكان ولو كان هذا المكان هو المقابر) وهذا يمثل الفقر بمعناه الواسع".
نمط الحياة الفعلي لسكان المقابر ومن الذي يسمح بسكن المقابر: "تتشكل القوة في هذا المجتمع في محورين رئيسيين يتجسدان في شخصيتين هما أولاً صاحب "الحوش" الذي يقوم بتأجير حوش مباشرة لبعض أقاربه أو معارفه أو رفيق الحال دون مقابل مادي وذلك بدون توقيع عقود لأن هذه الأماكن غير مخصصة للسكن، والثاني هو "التربي" وهو يمثل الشخصية القائدة لمجتمع المقابر وهو الذي يسيطر سيطرة شبه كاملة على كل ما يقع بالمنطقة من دفن وإسكان وجريمة وتأدية خدمات واتصال بالمسئولين، ويتضح من هذا أن "التربي" بهذا المعنى ليس إلا رمزًا لمجموعة من الأشخاص ذوي السلطة والهيمنة على منطقة المقابر فلكل مجموعة من التربية "معلم" يقود حركتهم وينظم عملهم ويحدد لكل منهم منطقة نفوذ لا يتعداها ويعد هذا الواقع بمثابة التنظيم الرسمي لهذه المنطقة فهناك شخصية أخرى أقل سطوة من الشخصيتين السابقتين وهي تمثل السواد الأعظم من ساكني هذه المناطق ألا وهو خفير المقابر والذي يتم تعيينه من قبل التربي أو المعلم ولا تكون له أدنى درجة من حرية التصرف دون الرجوع إليهما".
التركيبة التعليمية للسكان: "نسبة الأميين بين أفراد هذه المنطقة يصل إلى حوالي 64.4%، أما الذين لا يرتفع مستواهم التعليمي عن حد القراءة والكتابة نسبتهم 23.3%، والحاصلون على شهادات أقل من المتوسطة فنسبتهم 6.1%، وأصحاب الشهادات المتوسطة وأعلى من المتوسطة نسبتهم حوالي 6%، أصحاب الشهادات الجامعية وتتضاءل نسبتهم حتى تصل إلى حوالي 0.6%".
المهنة ومستويات الدخول: "ينقسم سكان المقابر في هذا الإطار إلى فريقين الأول فريق "يعمل" والثاني "لا يعمل"، والذي يعمل ينقسم إلى نطاقين الأول داخل المقابر والثاني خارجها، أما التقسيم المهني لساكني المقابر فهناك أولاً الحرفيون وهذه الفئة تمثل أبرز المهن حيث تبلغ نسبتهم 37% من إجمالي السكان العاملين، ثم ثانيًا الموظفون وتنخفض نسبتهم حتى تصل إلى 9.4%، أما نسبة المشاركين في أعمال التجارة فتنخفض نسبتهم كثيرًا لتصل الى1.7%، وأخيرًا أصحاب الأعمال المتصلة بمنطقة المقابر حيث تبلغ نسبة هذه العمالة نحو 5.5%".
نمط العلاقة الاجتماعية بين السكان: "تتسم هذه العلاقة بالعزلة الاجتماعية وتعود إلى طبيعة وخصائص سكان المقابر ذاتها بالنسبة لسكان المدينة".
المشاكل التي تواجههم: "الخوف من الحياة في منطقة المقابر مثل الخوف من بعض المعتقدات والخيالات مثل "(العفاريت والجن) التي تطرق على الأبواب ليلا" ولكن هذا الخوف ليس هو المشكلة الوحيدة التي يعانيها سكان المقابر فهم يعيشون في خوف مزدوج من الموتى تارةً ومن الأحياء حيث يستغل اللصوص هذا الاعتقاد الخرافي لدى السكان فيطرقون أبوابهم ليلاً لتخويفهم وذلك ليتمكنوا من سرقتهم أو دفعهم لترك المنطقة نتيجة إحساسهم بالخوف وعدم الأمان، وهناك مشكلات أخرى داخل المسكن (ضيق المساحة وعدم وجود مرافق مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء والخدمات الصحية والمواد الغذائية مما أدى إلى خلق سوق سوداء يصرفون فيها السلع بأسعار أعلى وقد ساعدت المنطقة على ذلك، عدم وجود خدمات تعليمية فمعظم المدارس ابتدائية فقط إن وجدت، كذلك عدم توافر وسائل المواصلات اللازمة حيث إن معظم وسائل النقل والسيارات هي سيارات نقل بالنفر ولا تصلح للاستخدام الآدمي".

الدراسة الثالثة: ظاهرة جامعي القمامة
معد الدراسة: الدكتورة سعاد عثمان- أستاذ في الأنثروبولوجيا الحضرية-.
مكان إجراء الدراسة: عزبة النخل شمال شرق القاهرة.
معالم هذا التنظيم: "مبدئيًّا فإنه لكل جماعة فرعية مؤسس أول للعمل ثم يأتي بعد ذلك أقاربه من المهاجرين الذي استدعاهم ليكون كل منهم على خط في مجال جمع القمامة، أي منطقة عمل محددة تحديدًا دقيقًا بشوارع وبيوت ويكون لكل فرد حق الملكية على الخط الذي يمتلكه مما يعني شراءه أو توريثه أو بيعه.. إلخ وينظم كل هذا العرف السائد بينهم ثم يقوم الفرد ببيع قمامة الخط لـ"الزرائب" وتلتزم هذه "الزرائب" بتوفير العربة التقليدية لجمع القمامة".
العامل في الزريبة: "هو الفرد الأساسي في هذا المجتمع ويتطلع إلى امتلاك "زريبة" خاصة به ثم امتلاك أكثر من واحدة للارتقاء إلى رتبة "المعلم" وينقل عنهم الباحث ميشيل شنودة في دراسة إضافية له عن جامعي القمامة قول أحدهم (احرم نفسك يوم تعيش أسبوع، واحرم نفسك شهر تعيش ستة شهور، واحرم نفسك ستة شهور تعيش سنة) ويعكس هذا خوفهم من عدم استمرار ممارسة المهنة".
الأنشطة القائمين بها: "تجميع الزبالة من المناطق المجاورة (عين شمس- مصر الجديدة- مدينة نصر) في عزبة النخل على مساحة 28 فدانًا ومن الملاحظ أن هذه القمامة تجمع في مبانٍ مكونة من غرف معيشة ومخازن للمخلفات التي يتم فرزها بالإضافة إلى بعض الورش للحرفيين ودور العبادة (بالذات الكنائس) المقامة بالألواح الصاج القديمة المثبتة بالألواح الخشب".
شكل المسكن: "ينقسم إلى الوحدات التالية: غرفة الإيواء وتكون بمساحة 4 × 5 أمتار، وحوش "الزريبة" ويمارسون فيه أنشطتهم اليومية المعتادة، و"الزريبة" ذاتها والتي يوجد بها حيوانات تعيش على المخلفات مثل (الخنازير والطيور الداجنة) ولا يوجد بـ"الزرائب" بطبيعة الحال دورات مياه أو حمامات".
شكل الأسرة والزواج: "في معظم الأحيان تهيمن الظروف الاقتصادية في تحديد شكل الأسرة فإذا رغب أحد أفراد الأسرة في الزواج فهناك احتمالان؛ الأول: الإقامة في "زريبة" جديدة مستقلة، والثاني: الإقامة في نفس المكان".
الثقافة والصحة العامة: "توضح الدراسة أن نسبة وفيات الأطفال في مجتمع الزبالين مرتفعة جدًا ويرجع السبب في ذلك إلى ظروف نشأتهم وعدم الفصل بين مكان العمل والإقامة نفسها حيث تتراكم فيه كميات ضخمة من القمامة والخنازير وارتفاع نسبة الميكروبات والحشرات ومن الملاحظ أن هذه الأمور الصحية السيئة أصبحت لا تسترعي انتباههم ولا يطالبون بالمزيد بالرعاية الصحية لا من الدولة ولا من المؤسسات الخدمية الاجتماعية".
نتائج عامة
من خلال المعلومات والحقائق السابقة يمكن الوصول إلى حزمة النتائج التالية حول موضوع الدراسة وهو "المهمشون في المجتمع المصري" وواقعهم المعاش على النحو التالي:
- إن المهمشين يمثلون قطاعًا عريضًا من المجتمع حيث يتواجدون في أكثر من 400 منطقة عشوائية وتعدادهم يفوق سبعة ملايين مواطن.
- كثير من هؤلاء المهمشين ليسوا مسجلين في الجهات الحكومية وذلك لانعدام الثقة في الحكومة المصرية والشعور بعدم الجدية من جانبها في حل مشكلاتهم.
- واقع المهمشين الآن أنهم لا يسعون إلى المطالبة بحقوقهم من الدولة وذلك لانعدام الثقة في الدولة ولا يشعرون بأن الحكومة ستقوم بتلبية مطالبهم في يوم من الأيام.
- هذه الطبقة يواجهها الكثير من المشاكل والصعوبات التي تواجههم والتي إذا افترضنا حلها فإن هذه الطبقة سيكون لديها قدرة عالية من الإنتاج والتأثير والتغيير.
وأخيرًا.. فإن هذه الطبقة تعمل في كثير من الأحيان في تنظيمات غير رسمية حيث يكون لهم هيكل إداري يتربع على قمته قائد لهم، ولعل الدافع إلى هذا التنظيم غير الرسمي هو "لقمة العيش" التي يسعون إليها والظاهر حتى الآن أنه ليس لهم دور سياسي ولا اجتماعي ولا اقتصادي في المجتمع ولا يتطلعون إلى ذلك بسبب ثقافة اليأس والإحباط وعدم الطموح والشعور بعدم الاستقرار في الحصول على "لقمة العيش".


العنف والفقر والجريمة في مصر: ارتباك المجتمع (3- 5)
الحلقة الثالثة: العنف والجريمة في المجتمع المصري
كنتاج رئيس لظاهرة الفقر- بنتائجها وعواملها الأخرى الرئيسة والفرعية كالبطالة والعنوسة- وانتشار أعدادِ المهمَّشين في المجتمع المصري، واتساع نطاقِ توزيعِهم الجغرافي، ومع وقوع الغالبية العظمى من هذه الفئةِ من أبناءِ المجتمعِ المصري والذين رجَّحت الدراسات الحديثة تعدادهم بين السبعة إلى عشرة ملايين مواطن في الشرائح الدنيا من المجتمع.
ونتيجةً لعدد من العوامل الأخرى، مثل القمع السياسي، وازدياد وطأة العنف المشروع وغير المشروع الذي تمارسه الدولة المصرية- سواءٌ على المستوى الجنائي أو السياسي- وكذلك الفساد السياسي والإداري، وفي ظل مجموعة من المتغيرات الحاصلة في وسائل الإعلام وتأثيراتها، ونوعية المواد التي تقدمها والقيم التي تقوم بنقلها بالصوت والصورة وعلى رأسها الفضائيات والإنترنت..
كل هذه العوامل- بالتوازي مع التحولات القيمية الكبيرة التي تشهدها المجتمعات الإنسانية في الداخل والخارج- أدَّت إلى حدوث مجموعةٍ من التحوُّلات المفاجئة والعنيفة في المجتمع المصري، بدَّلت الكثير من السمات الأخلاقية والقيمية وكذلك على المستوى السلوكي فيه، وهذه التحولات التي تواءمت مع حالة من العَوز غير المسبوقة في تاريخ المجتمع المصري؛ نتج عنها العديدُ من الآثار، كان على رأسها تحولُ خصائصِ المجتمع المصري وعلى رأسها التسامحُ الديني والأخلاقي والاجتماعي وقبول الآخر إلى النقيض، وبدأت الجريمة والعنف في التبلور بشكل أكثر تنظيمًا وتوسعًا وكذلك خطورةً في المجتمع المصري.
ومع كون الجريمة والعنف المجتمعي هما الجانبين الأكثر ارتباطًا بقضية الفقر في مصر فقد بات من الواجب الحديثُ في هذا المجال بجدية أكبر وتعمُّق أكثر مع كون هذه المسألة إحدى أهم محددات الأمن القومي المصري ومهدداته في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ المصري سياسيًّا واجتماعيًّا.
وللتدليل على أهمية هذه المسألة يكفي القولُ بأن العنف في مصر نتيجةً للعوامل التي تلت هزيمة يونيو من العام 1967م وممارسات القمع السياسي والإنساني التي مارسها النظام الناصري السابق، ثم حالة الانفتاح السياسي غير الرشيدة في المجتمع المصري في حقبة السبعينيات.. أدَّت إلى أن تخسر مصر أولاً طبيعة الترتيب الهرمي للمجتمع، وباتت الطبقة الوسطى في حكم المُلغَاة؛ مما أفقد المجتمعَ صِمامَ أمانِه، وثانيًا اتساعُ نطاقِ العنفِ السياسيِّ والاجتماعي والجنائي.. إلخ؛ حيث خسرت مصر آلاف القتلى في مواجهاتِ العنفِ السياسي، ومن بين هؤلاء القتلى رئيس للدولة، وهو الرئيس السابق أنور السادات، إضافةً إلى عدد من كبار مسئولي الدولة ورموزها السياسيين، مثل رئيس مجلس الشعب السابق الدكتور رفعت المحجوب.
هذا وتتنوع أشكال العنف والجريمة بين ما هو في المستوى الجنائي الأدنى مثل السرقة الفردية، وصولاً إلى جرائم القتل وما هو في المستويات السياسية والاجتماعية الأعلى مثل العنف السياسي والاضطرابات المدنية والقتل على الهوية والاغتيالات، وصولاً إلى النمط الأكثر جنوحًا وشذوذًا من العنف السياسي والاجتماعي وهو الحرب الأهلية.
وفي السياق التالي سوف نحاول أن نتعرف على ملامح عامة حول العنف كظاهرةٍ ذات طبيعة وأسباب متنوعة (سياسية واجتماعية واقتصادية) ومدى تأثيراتها على الأمن القومي المصري بمختلف مشتملاته وأبعاده المتنوعة أيضًا بما فيها البُعد الخاص بالأمن الداخلي:
تعريف العنف
مبدئيًّا يُعرَّف العنف على أنه "فعلٌ يأتيه فاعلٌ لتحقيقِ هدفٍ أو مجموعةٍ من الأهداف المتشابهة أو المتباينةِ في طبيعتها، باستخدامِ القوةِ المادية أو المعنوية، وللعنف في هذا الإطار مستوياتٌ (فردية أو جماعية أو بنائية)" وفي السياق الإجرائي فإن العنف- وبالتالي الجريمة كصورة من صور العنف- إنما هو بالأساس ظاهرة ذات أصل اجتماعي وفعل أو شكل سلوكي.
وفي هذا الإطار- وفي سياق الحديث عن الأسباب والعوامل التي عجَّلت بظهور مشكلة العنف في المجتمع المصري- فإننا هنا أمام مستويين للتحليل كما حدَّد عددٌ من أساتذة علم الاجتماع والعلوم السياسية، ومن بينهم الدكتور علي ليلة أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والدكتورة هالة مصطفى الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
المستوى الأول: هو ذلك المتعلِّق بالعواملِ المؤديةِ لظهورِ ثقافةِ العنفِ والجريمة.
أما المستوى الثاني: فهو ذلك الخاص بالمسارات التي تؤدِّي إلى تفاعلاتِ ثقافةِ العنفِ والجريمةِ في المجتمعات الإنسانية، والمجتمع المصري ليس استثناءً منها.. وهذه المستويات مرتبطةٌ بالأساس فيما بينها بعددٍ من الروابطِ ذات الطابع السياسي والسلوكي.
أولاً: على مستوى العوامل المولدة لثقافة العنف
1- عوامل نابعة من النظام العالمي والقضايا الإقليمية: ومن ذلك اعتماد ثقافة القوة والقهر لحسم الصراعات على المستوى العالمي، وأيضًا العنف الإعلامي والثقافي، مثل تهميش الثقافات، والإساءة إلى المقدسات أو على مستوى الأزمات الإقليمية مثل العراق وفلسطين والجزائر؛ مما يؤدِّي إلى ظهورِ ردودِ أفعالٍ ذاتِ طابع عنيف، وإن مال هذا الملف إلى الجانب السياسي.
2- العوامل النابعة من المستوى القومي الداخلي: وهذه العوامل تتعلق بالأساس بثقافة الانغلاق والردة الاجتماعية للثقافات المحلية على نفسها؛ مما أفسد الثقافة العامة للمجتمع وأدَّى إلى نقص مساحة تأثيرها، كذلك تنامي الفقر واتساع الهُوَّةِ بين الطبقاتِ والعشوائيات؛ حيث تسود ثقافة العنف وتهميش القانون والأخلاق، ويضاف إلى ذلك عواملُ نابعةٌ من النظام السياسي الحاكم، مثل القهر السياسي والاستبداد والعنف غير المبرَّر وانتهاكات حقوق الإنسان والفساد.
ثانيًا: على مستوى العوامل المنظمة لتفاعلات ثقافة الجريمة والعنف
هنا يمكن حصر مجموعة من العوامل الأساسية من ضمن العوامل التي تؤدِّي إلى سيادةِ ثقافةِ العنفِ وفرضِها على المجتمع المصري، وهي:
1- حالة الإحباط والاغتراب، وكذلك التهميش الاجتماعي التي تُواجه الكثير من شرائح المجتمع المصري، مثل الشباب العاطل والمهمَّشين وأسراب الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر ممن يعيشون على هامش المجتمعات الحضرية في المدن، لا سيما في مدن القاهرة الكبرى الثلاثة (القاهرة العاصمة، الجيزة، القليوبية).
2- عدم الثقة بين أفراد المجتمع والنظر إلى الآخر على أنه "عنصر تهديد"؛ بسبب حالة العَوز والفقر القائمة داخل المجتمع المصري بنسبة وصلت إلى حدِّ الـ60% والـ70%، طبقًا لإحصائيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
3- غياب ثقافة احترام القانون في سياق أشمل، وهو غياب القيم وتباين الضوابط والأخلاقيات الاجتماعية.
عوامل عدة
من خلال التعريفات والمفردات السابقة يتضح لنا أن قضية الفقر والهامشية الحضرية هي التي تقف وراء تنامي حالة العنف في المجتمع المصري على مختلف مستوياته، وفي هذا الإطار تجدُرُ الإشارة إلى ظاهرة "الهامشية الحضرية"، أو ما يُعرَف باسم "الهلامية الحضرية" وهم بالأساس سكان المناطق العشوائية، وهم طوائفُ متزايدةٌ في تعدادها من السكان تتجمَّع في الضواحي حول المدن؛ حيث تُقيم لنفسها أحياءً جديدةً في نطاق مدني أو حضري لم تعرف الدولة كيف تنظمه، لا على صعيد البُنى التحتية (ماء- الصرف الصحي- الكهرباء- النقل والمواصلات والاتصالات) ولا على صعيد التأطير السياسي والثقافي، وعادةً ما تكون بيوت هؤلاء من أكشاك أو عشش الصفيح أو دور ومنازل صغيرة مبنية من مواد أولية.
الفقر من عوامل تنامي العنف في مصر
والكثير من أحياء القاهرة نشأ بهذه الصورة في البداية، والعشوائيات هي أسرع الكيانات الاجتماعية والإنسانية نموًّا في العالم العربي خلال العِقدين الماضيين؛ فقد قُدِّر عددُهم حول القاهرة فقط في الألفية الجديدة بنحو 5 ملايين نسمة، وقُدِّر عددُ سكان المقابر من الأحياء بمليون نسمة، والسمة الأهم في هذه المجتمعات هي الخروج عن القانون؛ لأنها أصلاً تجمعات أُنشئَت خارج نطاق القانون، ومِن هنا تزدهر الجريمة- وبالتالي العنف والبلطجة- كسمت أساسي فيها.
وبعيدًا عن المناحي الأكاديمية في التناول والمصطلح فإن قضية العنف بأنواعه في المجتمع المصري من جهة المسببات- بجانب قضية الفقر والهامشية الحضرية- يمكن رصدُها من خلال مجموعة الظروف الاقتصادية والاجتماعية وكذلك السياسية القائمة في الوقت الراهن داخل المجتمع المصري.
فهناك أولاً ظاهرة انحراف أجهزة الدولة الأمنية عن وظيفتها الشرعية في حفظ الأمن وحماية القانون والدستور وممارسة الدولة للعنف غير المشروع تجاه المواطن؛ مما زاد من وطأة الإحساس بالظلم الاجتماعي لدى المواطنين، مع اتساع نطاق التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان من جانب أجهزة الأمن الداخلي، سواءٌ في حق المعارضة أو حتى المواطن العادي في ظل قانون الطوارئ سيِّئ السمعة ومجموعة أخرى من القوانين المُقيِّدة للحريات من جهة والتي تُطلق- من جهة أخرى- يدَ أجهزة الأمن والعمل السري في المجتمع المصري بحرية وصلاحيات واسعة النطاق تتجاوز الكثير من الشرعية والدستورية في سياقاتها.
كذلك تراجُع عملية التنمية البشرية في المجتمع المصري كذلك كان- ولا يزال- أحدَ أهم مسببات الجريمة والعنف في مصر، فقد تراجعت عملية التنمية البشرية على مستوى كافة المعايير الرئيسة لهذه القضية في مصر من مستوى الرفاهية الاجتماعية ومستوى المعيشة وصولاً إلى قضية حماية البيئة مرورًا بحقوق الإنسان ووضعية فئات بعينها بحاجةٍ إلى رعاية واهتمام أكثر من غيرها في المجتمع المصري، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال والمسنين والمرأة والمراهقين، وحالة الخدمات العامة المقدَّمة للمواطن المصري (وهي حصريًّا: المياه النقية- الصرف الصحي- التعليم- الصحة- النقل والمواصلات- الطاقة من كهرباء وغاز طبيعي- الاتصالات).
وطبقًا لتقرير التنمية البشرية للعام 2005م الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)- بالتعاون مع معهد التخطيط القومي التابع لوزارة التخطيط المصرية في يناير الماضي 2006م- يمكن ملاحظة تراجع الأرقام التي ذكرت في التقرير في خصوص القطاعات السابقة، سواءٌ على المستوى المطلق أو على المستوى النسبي مقارنةً بمجتمعات وبلدان أخرى نامية أيضًا وليست بلدانًا متقدمة حتى لا تكون المقارنةُ ظالمةً، فالإنفاق على القطاع الصحي في ماليزيا يساوي أربعة أضعاف ما يُنفَق في مصر من إجمالي الموازنة العامة للدولة.
كذلك تنخفض متوسطات الأعمار في المجتمع المصري عن مثيلاتها في دول العالم العربي والإسلامي بنحو سبع سنوات، وبالمثل هناك ذات الفجوات بين مصر والبلدان العربية والإسلامية والعالم المتقدِّم في مجالات الإنفاق على التعليم والخدمات الصحية، فمعدَّل وفيات الأطفال لكلِّ ألف طفل في مصر هو 35 طفلاً فيما هو 7 في الولايات المتحدة و8 في ماليزيا و6 في الكيان الصهيوني، فيما أن معدل وفيات الأمهات لكل مائة ألف هو 84 امرأة في مصر و8 في الولايات المتحدة و5 في الكيان الصهيوني ورقم مماثل في ماليزيا التي تُعتبر هنا نموذجًا للبلدان الآخذةِ في النمو في العالم العربي والإسلامي.
ومن هنا يمكن القول بأن المسبب الأكبر للعنف في مصر- من خلال المؤشرات السالفة الذكر- هي قضية التنمية البشرية؛ باعتبارها المحك الرئيسي لملف العنف بكل ما تحويه هذه القضية (التنمية البشرية) من محكَّات وملفات فرعية، مثل الفقر، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتراجع الحالة المعيشية والخدمية للمواطن المصري.
قضايا اجتماعية وسلوكية
وبجانب هذه الإشكاليات فإن هناك حزمةً أخرى من العوامل النفسية والاجتماعية التي تتحكَّم في قضية العنف داخل المجتمع المصري، على رأسها العنف الأسري والاجتماعي ضدَّ الأطفالِ والمرأةِ، وفي الحالةِ الأولى يمكن رصد نحو 170 ألف طفل في مصر من أطفال الشوارعِ، يُمارَس في حقِّهم أسوأُ أنواع الانتهاكات التي تتعارض مع قواعد الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل وأبسط قواعد الإنسانية، وفيما يتصل بالمرأة فإن حالات الاغتصاب وصلت إلى عشرة آلاف حالة لم يُعلَن عن أكثرها بخلاف حالات التعذيب من جانب الأزواج بحق الزوجات.
وفي التقارير الحقوقية الصادرة عن ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان حول الجريمة والعنف في مصر وعلاقته بالفقر فإنه من اللافت للنظر ما جاء في الدراسة التي أعدها الملتقى حول هذه المشكلة وواقعها في المجتمع المصري خلال فترة الربع الثاني من العام المنصرم 2005م (مارس- يونيو 2005م)؛ حيث أوردت الدراسة مجموعةً من الحقائق حول هذه المشكلة تُبرِز مدى خطورتها.
ففي الفترة المذكورة بلغ عدد الجرائم التي كان الفقر دافعها الرئيس 197 جريمةً بمعدل 1.6 جريمة يوميًّا، فيما بلغ عدد المواطنين الذين ارتكبوا تلك الجرائم 360 من المواطنين، وكانت محافظة القاهرة (العاصمة) هي الأعلى في جرائم الفقر؛ حيث شهدت تلك المحافظة عدد 80 جريمة، فيما جاءت محافظة الجيزة في المرتبة الثانية بعدد 30 جريمة، فيما بلغ عدد تلك الجرائم بمحافظتي الإسكندرية والغربية عدد 17 جريمة، وقد كان الفقر دافعًا رئيسًا في 98 جريمة قتل و43 جريمة سرقة ودافعًا رئيسًا أيضًا في ارتكاب 13 جريمة تسول، فيما انتحر 15 مواطن بسبب الفقر!!
أما على مستوى الحالة التعليمية لمرتكبي تلك الجرائم فقد كان هناك عدد 15 شخصًا من حملة المؤهلات العليا، و23 من التعليم المتوسط، فيما ارتُكبت 166 جريمة من جرائم الفقر على يدِ مَن يجهلون القراءةَ والكتابة.
والمُدهش أن المبالغ الماليةَ والعينيةَ موضوع الجرائم بسبب الفقر قد تراوحت من 5 جنيهات إلى 2000 جنيه مصري، أي بحدٍّ أقصى يبلغ أقل بكثير من معدلاتِ الفقر السنوية للدخل كما حدَّدتها معاييرُ الفقر لدى الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين، كما بلغ عدد الجرائم بسبب الفقر داخل الأسرة الواحدة أو بين الأقارب 75 جريمة، أي بنسبة 38.1% لباقي الجرائم، وهو مؤشر اجتماعي آخر خاطئ.
من جهة أخرى فإن ضعف الرقابة الحكومية على وسائل الإعلام ووسائط المعلومات أدى إلى سيادة مواد إعلامية وبرامجية بعينها تعتمد العنفَ والإثارةَ الجنسية بالذات وسيلةً لها لجذب المشاهد، ويكون الشباب هم الضحيةَ الأولى لهذه المشكلة بنسبة بلغت نحو 40%، يليهم الأطفال الذين يتعلمون العنف من خلال ما يشاهدونه في الوسط المحيط بهم في الأسرة والمدرسة والحي وجماعات الأقران، وجانب آخر لضعف الرقابة الحكومية وتأثيراته يتعلق بالمؤسسات الإصلاحية؛ حيث إنه في إحدى دور رعاية الأحداث رُصِد وجود ما بين 5 إلى 6 مشرفين من بين عدد مطلوب هو 40 فردًا، وذلك تحت ادعاء عدم كفاية الميزانية.
وتعتبر قضية العنف بمستوييها الفردي والجماعي وبألوانه المختلفة (السياسي والاجتماعي والجنائي) من أبرز الملفات والمشكلات الراهنة التي تواجه صانع القرار المصري، رغم أنه المسئول عن نسبة الغالبية الساحقة من هذه الأزمة.




العنف والفقر والجريمة في مصر: ارتباك المجتمع (4 - 5)
الحلقة الرابعة: أطفال الشوارع وعمالة الصغار في مصر: أين حقوقهم؟!!
أوضاع الطفل وحقوقه في المجتمع المصري أحد أهم بنود أجندة الخطاب الإعلامي الدعائي بالنسبة لـ"البعد الاجتماعي" في "برنامج" النظام المصري؛ وهذا بفرض أن هناك هذا البعد أو أن هناك برنامجًا من الأصل؛ إلا أن الواقع الراهن في الشارع المصري لا يدل على شيء من ذلك لما يُقال عن حقوق الطفل ورعاية الأطفال في المجتمع المصري.
وأبرز دليل على ذلك مشكلة أطفال الشوارع وعمالة الأطفال وهو الموضوع الذي نختاره ليكون هو محور الحلقة الرابعة من مجموعة الدراسات التي خصصناها لبحث مشكلات الفقر والجريمة في المجتمع المصري.
وفي هذا الإطار نعرض لهذه القضية في عددٍ من المطالب التي تغطيها على النحو التالي:
1- المطلب الأول: عمالة الأطفال بين الإسلام والتشريع الدولي.
2- المطلب الثاني: تعريفات وصورة أولية.
3- المطلب الثالث: حجم وواقع الظاهرة في مصر.
4- المطلب الرابع: مشكلات ومخاطر مجتمع البحث (أطفال الشوارع والمشردين).
5- المطلب الخامس: السمات النفسية والسلوكية لمجتمع البحث.
6- المطلب السادس: اتجاهات عامة وتصورات حول سبل علاج هذه المشكلة.

المطلب الأول: عمالة الأطفال بين الإسلام والتشريع الدولي
نظرًا لأهمية الأطفال كمكون رئيسي في المجتمع البشري يمثل الركيزة التي تقوم عليها الطموحات المستقبلية للمجتمعات وكل خططها في التطوير والتحديث، فقد اهتمَّ الإسلامُ بحماية حقوق الأطفال من الانتهاك، إلى جانب تأكيد التشريعات الدولية على ضرورة توفير الحماية الكاملة للأطفال من أية انتهاكات حقوقية، وذلك كله يهدف إلى تأمين مستقبل جيد للمجتمعات الإنسانية وهو المحور الرئيسي في الدين الإسلامي الذي يحض الإنسان على العمل للدنيا وكأنما سيعيش فيها- هو ومجتمعه- للأبد.
ولما كانت المجتمعات الإنسانية لا تسير على نسق واحد في التقدم الاقتصادي والاجتماعي، فقد برز في بعض المجتمعات المعاصرة نوع من الانتهاك الصارخ لحقوق الأطفال وهو "عمالة الأطفال"، ونبعت هذه الآفة الاجتماعية من تردي المستويات الاقتصادية والمعيشية لبعض المجتمعات، الأمر الذي دفعها إلى إدخال أطفالها في قوة عملها الحالية بدلاً من الانتظارِ إلى حين حصول هذه الفئة الاجتماعية المهمة على نصيبها من التأهيل النفسي والاجتماعي والفكري الذي يمنحها الفرصة لكي تصير عنصرًا فاعلاً في القوةِ العاملة بالمجتمع ولكن في الوقت الملائم.
ومن الضروري إلقاء الضوء على الأسس التي وضعها الإسلام للتعامل مع الطفل والتي تمنع منعًا قطعيًّا استغلاله في العمل، إلى جانب التعرف على مضمون التشريعات الدولية التي حددت الكيفية التي يدخل بها الفرد إلى سوق العمل والتي تمنع استغلاله في سوق العمل قبل السن المناسبة لذلك.
الإسلام وحقوق الطفل
يعتمد جوهر الدين الإسلامي في العبادات على الاستطاعة في القيام بالتكليف، فالمجنون يسقط عنه التكليف لغياب القدرة لديه على التمييز، لذا فهو غير مكلف كما أن الطفل يكلف ببعض العبادات في سن معينة ولا يكلف بعبادات أخرى في ذات السن؛ نظرًا إلى ضعف قدرته على أداء هذه التكاليف أو تلك، وبالتالي فإن تكليف الطفل بالعمل يكون تحميلاً له فوق ما يحتمل، الأمر الذي يجعله لا يقوم به على الوجه الأكمل، فيفقد إنسانيته ويفقد فرصته في العمل التي خسر بسببها فرصته في الحياة.
وفيما يلي نطالع بعض المفاهيم الإسلامية الخاصة بعمالة الأطفال والتي توضح لنا تحريم الإسلام لعمل الطفل وقاية له ولمجتمعه:
الظلم الاجتماعي: يحارب الإسلامُ "الظلم الاجتماعي" باعتباره من أسوأ السلبيات التي يمكن أن تمر بالإنسان في الحياة، فالإسلام يحرم ذلك تمامًا لقوله تعالى ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾، وفيما يتعلق بعمالة الأطفال فإنَّ الظلمَ هنا سيقع على الطفل لا محالةَ؛ حيث إنَّ عمله سوف يحرمه من الحصول على فرصة تعليمية موازية لأقرانه وسيمنعه من اكتساب الخبرات، وكذلك من الحصول على حقوقه الأساسية في حنان الأم والأب؛ الأمر الذي يخرجه إلى الحياة إنسانًا غير كامل المشاعر ولا النفسية، ما يترتب عليه خسارة المجتمع المسلم لهذا الإنسان وفقدانه كأحد عناصر منظومة البناء الاجتماعي المستقبلية.
كما أن الظلم الاجتماعي يقع على الطفل من زاوية أخرى وهي أنه لم يلق الرعاية الكافية من أهله، فالأب ملزم بالإنفاق على أبنائه فقد قال الله تعالى: ﴿لْيُنْفِقْ ذو سَعَةِِ مِنْ سَعَتِهِ﴾، وعدم إنفاق الأب على الطفل يعني أن الأب- أو العائل بصفة عامة- قد ظلمه ظلما بينا سوف تظهر آثاره المستقبلية في العديد من المفاسد الاجتماعية.
حماية المجتمع: يهدف الدين الإسلامي إلى حماية المجتمع الإسلامي من الأعداء الخارجيين إلى جانب حمايته من نفسه، وبالتالي يعمد الإسلام إلى تربية أفراد المجتمع الإسلامي بصورة تؤدي إلى إخراج أفراد قادرين على حمل العبء الاجتماعي العام وهو التنمية والبناء والإعمار وهي الرسالة التي تعتبر من الرسائل الأساسية في الدين الإسلامي، ويرد للرسول عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يقول فيه: "لا تكلفوا الصبيان الكسب، فإنكم متى كلفتموهم الكسب سرقوا"، ويقول الباحث رفعت طاحون في دراسته الموسومة "الإسلام وعمالة الأطفال" إنَّ هذا الحديث الشريف يشير إلى ضرورة التربية الخلقية للإنسان قبل الدفع به لسوق العمل.
فالدفع المبكر بالطفل إلى سوق العمل يمنعه من تلقي التربية الأخلاقية الكافية التي تعرفه معاني الأخلاق الإسلامية السامية ومن بينها الأمانة، لذا فإنه إذا خرج لسوق العمل دون الحصول على القدر الكافي فسوف يدفع به ذلك إلى تيار الانحراف؛ الأمر الذي يؤدي إلى خسارة كبيرة للفرد وللمجتمع نفسه.
بناء الإنسان: يأتي بناء الإنسان كأحد الأهداف الرئيسية في الدين الإسلامي، ولما كان القرآن الكريم قد نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام مفرقًا وفي مناسبات مختلفة، فإن هذا يعني أن التربية يجب أن تأتي مفرقة أيضًا وفي مناسبات مختلفة، وهو ما يمكن أن نشير إليه بمفهوم "التدرجية في التربية" أي أن تتم عملية التربية بالتدريج وطوال المراحل العمرية للطفل وللإنسان بصفة عامة.
وطالما كانت التربية تدريجية فإنَّ التفرغ يكون واجبًا في العديدِ من مراحلها، ما يعني أن دخول الطفل سوق العمل لكي يقوم بما عجز عنه الكبار أنه سوف يخسر الكثير والكثير من القيم التي كان ينبغي أن تغرس في داخله في مراحل العمر المختلفة، وبالتالي خسارة المجتمع لهذا الفرد الذي أتى إلى الدنيا للإعمار والتنمية فتحول إلى إنسانٍ عاجز غير قادر على الاستجابةِ لمتطلبات النفس أو المجتمع ما يؤدي إلى سيادة أفكار سلبية كالإحباط والاضطهاد والسخط على المجتمع وهو ما يعني فتح باب لضرب المجتمع المسلم من داخله ما قد يتطور إلى "الفتنة الاجتماعية" والتي تعتبر أعدى أعداء المجتمع الإنساني.
التشريعات الدولية
اهتم المجتمع الدولي بمحاربة ظاهرة عمالة الأطفال باعتبارها الظاهرة الأكثر خطورة في تاريخ المجتمعات الحالية؛ لأنها تضرب المجتمع في أساسه، إلى جانب الاعتراضات الأخلاقية على استغلال الأطفال في سوق العمل التي لا يقدر العديد من الكبار والراشدين على التصدي لتبعاته.
وفي الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والصادرة عن الأمم المتحدة في العام 1989م بعض البنود التي تساعد على حماية حقوق الأطفال من الانتهاك عن طريق الدفع بهم في سوق العمل فتقول المادة 22 من هذه الاتفاقية:
(تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطرًا أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل أو أن يكون ضارًا بصحته أو بنموه البدني، أو العقلي، والروحي أو المعنوي أو الاجتماعي.
تتخذ الدول الأطراف التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية، التي تكفل تنفيذ هذه المادة لهذا الغرض، ومع مراعاة الأحكام الدولية الأخرى ذات الصلة، وتقوم الدول الأطراف بوجه خاص بما يلي:
أ- تحديد عمر أدنى أو أعمار دنيا للالتحاق بالعمل.
ب- وضع نظام مناسب لساعات العمل وظروفه.
ج- فرض عقوبات أو جزاءات أخرى مناسبة ؛ لضمان تنفيذ بقية هذه المادة بفاعلية).
وتشير هذه المادة إلى قواعد إجرائية تحدد الأطر إلى ينبغي من خلالها الدفع بالإنسان إلى سوق العمل على أن تترك الأطر التنفيذية للدول مع فرض الرقابة على تنفيذ الدول لهذه البنود من خلال المنظمات العالمية المختلفة التي تتبع الأمم المتحدة.
إلا أنَّ الأزمة حاليًا تتمثل في عدم تنفيذ العديد من الدول للإجراءات المحددة في الاتفاقية الصادرة عن الأمم المتحدة، بالإضافةِ إلى غياب آليات الردع عن أسلوب عمل المنظمة الدولية؛ الأمر الذي يمنح الدول الضوء الأخضر في ممارسة الانتهاكات الحقوقية المختلفة وبخاصة في مجال عمالة الأطفال التي لا تحظى باهتمام مناسب من المجتمع الدولي.

المطلب الثاني: تعريفات وصورة أولية
أطفال الشوارع هم الأطفال الذين يفتقدون أحد الأبوين أو أن يكون الأبوان منفصلين لظروفٍ اجتماعية وخلافات عائلية، وأحيانًا كثيرة يكون الفقر هو العامل الأساسي في هذا الانفصال، ويلجأ الأطفال على أثر هذه الخلافات العائلية والفقر إلى الهروب من البيت والعيش في الشوارع بعيدًا عن هذا الجو العائلي المتوتر، فيفضلون النوم أسفل الجسور وفي مداخل العمارات أو على الأرصفة، والعيش تحت طائلة الشرطة التي تلجأ إلى ضربهم واحتجازهم مع المجرمين، ليتعرضوا لمزيد من العنف والانتهاكات النفسية والجسدية والتي تصل إلى حد الانتهاكات الجنسية، وقد يتحول هؤلاء الأطفال إلى مجرمين نتيجة اختلاطهم بالمجرمين الكبار داخل السجون.
وظاهرة أطفال الشوارع (الأطفال المشردين والمتسولين) هي ظاهرة عالمية لا يكاد يخلو مجتمع منها أيًّا كان مستواه وتكون هذه النسبة متغيرة من مجتمعٍ إلى آخر، حتى إنها داخل المجتمع الواحد نفسه تختلف من مكانٍ لآخر فقد تزيد في مكان وتقل في آخر، وهذه الظاهرة لها أسباب عدة منها الفقر والبطالة والتفكك الأسري وغياب الوعي وجهل الأسرة بعملية التنشئة السليمة للأطفال بالإضافة إلى الحروب وغياب الأمن داخل البلد وعدم الاستقرار وانتشار الأمراض.
وأطفال الشوارع غالبًا ما يعيشون حياتهم عن طريق التسول أو السرقة أو التجول في الشوارع والطرقات وعند إشارات المرور لبيع ما معهم من سلع مثل المحارم الورقية أو بعض لوازم السيارات أو ما شابه ذلك، أو يعيشون على بعض الأعمال البسيطة التي يقومون بها مثل تنظيف زجاج السيارات أو تلميع الأحذية للمواطنين في الحدائق وغير ذلك من الأعمال الأخرى البسيطة، ويساعدهم في ذلك في كثير من الأحوال أن مظهرهم الخارجي يدعو إلى الشفقة وطلب المساعدة.
زيادة مستمرة
وقد أجمعت الدراسات والأبحاث الحديثة أن نسبة الأطفال المشردين في زيادة مستمرة في داخل المجتمع المصري ويرجع ذلك إلى عدة أسباب سوف يتم الحديث عنها فيما بعد، لكن كل ما ينبغي الإشارة إليه ها هنا هو لفت الانتباه إلى خطورة هذه الظاهرة على المجتمع، فهؤلاء الأطفال يشبهون القنبلة الموقوتة، التي تتطلب الحرص والدقة في التعامل معها حتى يمكن نزع فتيلها قبل أن تنفجر في وجه المجتمع ككل وتهدد أمنه القومي ذاته.
وفي هذا الإطار فإن هناك نقطةً هامةً يجب التركيز عليها وهي أن ظاهرة أطفال الشوارع ليست موجودة في مصر فقط بل إنها موجودة في كل بلدان العالم حتى العربية الموسرة مثل بلدان الخليج العربية أو حتى البلدان الأوروبية، وهذا ما أكدته الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة، والتي سوف يشار إلى بعضها ليتم التعرف حول حجم هذه الظاهرة.
أولاً؛ أكدت دراسة أمريكية حديثة أجراها بعض الأطباء النفسيين أنه يوجد أكثر من 100 مليون طفل مشرد في العالم، أربعة ملايين منهم يعانون من الشلل الدائم بسبب العنف الذي يتعرضون له أو إصابتهم بجروح نتيجة الحروب المحيطة بهم، وأربعة ملايين طفل آخر يعيشون لاجئين في المخيمات.
وتقول الدراسة إن هؤلاء الأطفال منذ ولادتهم وهم على اتصال دائم بالشارع، فالأبوان يمتهنان التسول أو حرفًا بسيطة مثل العمل في جمع النفايات، فنجد الآلاف من هؤلاء الأطفال يولدون في الشوارع ويترعرعون فيها، حتى تتحول الشارع إلى بيت لهم، وأعمار هؤلاء الأطفال المتسولين تقع بين ست وثماني سنوات وتمثل الإناث الغالبية العظمى منهم.
وينحدر غالبية الأطفال المتسولين من أسر بسيطة جدًّا أو تكاد تكون معدمة تتميز بكثرة عدد أفرادها، ويعيش غالبية هؤلاء الأطفال في بيوت بسيطة تتكون في معظم الأحيان من غرفة واحدة، والوالدان غير مثقفين أو بمعنى أصح أميين، ويدرس الغالبية منهم في المرحلة الابتدائية، ثم يتركون الدراسة بعد ذلك ليقضوا أكثر من خمس ساعات في التسول خارج المنزل وبتشجيع من أمهاتهم وآبائهم.
هذا عن نسبة الظاهرة عالميًّا، أما عن نسبتها في كل دولة على حدة، فأكد تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، (WHO) أن ظاهرة عمالة الأطفال قد سجلت ارتفاعًا كبيرًا، وصل إلى أكثر من 100 مليون، موزعين بين دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا؛ أي دول العالم الثالث أو النامي وبالذات في الدول الأكثر فقرًا في العالم.
وقد جاءت الهند على رأس الدول التي تنتشر فيها هذه الظاهرة، فتضم ما يقرب من 100 مليون من أطفال الشوارع والأحداث، ينتشرون في المدن الكبرى، وتعد المكسيك والأرجنتين نموذجين صارخين لهذه الظاهرة بأمريكا اللاتينية.
أما في الوطن العربي فقد بلغ حجم هذه الظاهرة ما بين 7 و10 ملايين طفل، ففي الأردن بلغ عدد الأطفال المشردين الذين تمَّ القبض عليهم يوميًّا في أواخر التسعينيات 537 طفل، أما سوريا فتؤكد الإحصاءات أنه يتم القبض على 20 طفلاً يوميًّا، ويتمركز معظم هؤلاء المشردين في الساحات العامة ومواقف السيارات والشوارع الرئيسة، أما صنعاء وحدها بها أكثر من 7 آلاف طفل، لا يجدون أبسط متطلبات المعيشة من مأكل ومأوى، يعيشون في بيوت من الصفيح.
وتتجلى ظاهرة عمالة الأطفال بشكلٍ واضحٍ في مصر، حيث يتراوح عدد الأطفال المشردين فيها حول رقم 2 مليون طفل، ويوجد في مدينة القاهرة وحدها ما يقرب من 90 ألفًا منهم، وإذا ما طالعنا تركيبة الهرم السكاني في مصر وجدنا الصورة التالية (باعتبار أن تعداد السكان في مصر يبلغ رقمًا يدور حول 74 مليون نسمة):
1- السكان فوق الأربعين سنة: 21.5% (أي نحو 15.9 مليون نسمة).
2- السكان من الخامسة عشر وحتى الأربعين عامًا: 40.7% (أي نحو 30.1 مليون نسمة).
3- السكان أقل من خمسة عشر عامًا: 37.8% (أي حوالي 27.9 مليون طفل في مصر).
فإننا يمكن أن نلاحظ ضخامة المشكلة الراهنة فيما يتعلق بملف عمالة الأطفال والمشردين في المجتمع المصري، حيث إن نسبة 7.1% من أطفال مصر في عداد المشردين.
المطلب الثالث: واقع الظاهرة في مصر
أكدت الإحصائيات الحديثة للإدارة العامة للدفاع الاجتماعي أن عدد الأطفال المشردين في مصر قد بلغ 2 مليون طفل وهم في تزايد مستمر مما يجعلهم عرضة لتبني السلوك الإجرامي في المجتمع المصري.
وأشارت الإحصائيات أيضًا إلى زيادة حجم الجنح المتصلة بصلة أطفال الشوارع بالانتهاكات القانونية، حيث كانت أكثر الجنح هي السرقة بنسبة 56%، والتعرض للتشرد بنسبة 16.5%، والتسول بنسبة 13.9%، والعنف بنسبة 5.2%، والجنوح بنسبة 2.9%.
التفكك الأسري والفقر وراء الظاهرة
هناك عدة أسباب رئيسية هي التي ساعدت على تفاقم هذه الظاهرة، وهذا ما أكده علماء الاجتماع، الذين اتفقوا على أن الأسباب الرئيسية للمشكلة هي الفقر، التفكك الأسري، البطالة، إيذاء الطفل، الإهمال، التسرب من التعليم، وتأثير المحيطين بهؤلاء الأطفال من نظرائهم عليهم، بالإضافة إلى العوامل الاجتماعية والنفسية الخاصة بشخصية الطفل، والتي منها حب الإثارة فالطفل دائمًا يبحث عن كلِّ ما يُثير انتباه من حوله.
ويعتبر التفكك الأسري نتيجة طبيعية للخلافات المستمرة بين الزوجين، وتنجم هذه الخلافات عن عدم التفاهم والتوافق النفسي بين الزوجين، وعدم التفاهم هذا قد يكون بسبب الوضع الاقتصادي للزوج؛ فهو يلعب دورًا كبيرًا في تصدع العلاقة بين الزوجين ففي حالة الغنى نجد أن بعض الأزواج الأغنياء ينشغلون بجمع المال عن أسرهم فنجدهم لا يجلسون مع أبنائهم ليتبادلوا الحوار معهم والتعرف على مشاكلهم ومتطلباتهم فهنا يشعر الطفل بالوحدة فلا يجد من يؤنسه غير رفقاء السوء فيبدأ في التعرف عليهم ليدخل معهم دائرة التشرد ظنًّا منه أنه سوف يجد ما يشغله.
هناك نقطة هامة يجب الالتفات إليها وهي أن تشرد الأطفال بسبب تفكك الأسرة جاء نتيجة عدم احتفاظ المجتمع المصري بمقومات الاستقرار الأسري كما جاءت في الإسلام، فقد استورد المجتمع ضوابط انفصام عُرَى الزوجية كما هي مدونة في القوانين الغربية، فكانت النتيجة أنه عندما تفشل الحياة الزوجية، يكون الذي يدفع الثمن ليس الطرف المسئول عن فشلها، وإنما الأطفال.
ومع أن كل الدول الإسلامية تقر بحقِّ الطفل في الحضانة والنفقة في حالات الطلاق، إلا أن النصوص جُرِّدت من كل فعالية، فبات الطفل الضحية لا يتلقى في أفضل الحالات سوى مبالغ ضئيلة جدًّا لا تكفي لسد احتياجاته الضرورية ناهيك عن حرمانه من العناية، من الدفء الأسري والاستقرار والمراقبة وتتبع دراسته ، بل إنه يظل تائهًا بين شد وجذب والديه بسبب العناد المتولد بينهم نتيجة كراهية كل منهما للآخر بسبب فشل العلاقة.
هذا عن التفكك الأسري الذي يعدُّ سببًا رئيسيًّا من أسباب تشرد الأطفال؛ أما السبب الثاني للتشرد هو الفقر، فقد لا يستطيع الزوج أو رب الأسرة مع الفقر توفير الاحتياجات الضرورية لأسرته بسبب كبر حجمها وقلة تعليمه وضعف إيمانه فيعجز عن الاستجابة لمتطلبات الأسرة فلا يكون أمامه سوى خيارين؛ إما أن يقع في الحرام للحصول على المال أو يدفع بعض أفراد أسرته لمسالك السوء للحصول على مزيد من المال فيكون الناتج تفكك الأسرة وتشرد أطفالها وعملهم في بعض المهن الخطرة.
وهذا ما أكدته بعض حالات التشرد التي تمَّ توثيقها، حيث أكد بعض هؤلاء الأطفال أن الآباء هم الذين دفعوا بهم إلى الشارع إما للعمل أو السرقة أو التسول أو ما إلى ذلك، ونتيجة لهذا كله يتشرد الأطفال في الشوارع ويتخلفون عن الدراسة وتترسب لديهم مشاعر الكراهية نحو الحياة والمجتمع وكل من حولهم مما يؤدي بهم إلى الدخول في دائرة الانحراف والتمرد على القيم والنظم وإدمان المخدرات مع استغلال تجار المخدرات لهؤلاء الأطفال في ترويج السموم، وصولاً إلى أمراض أخرى أخطر وأعمق تأثيرًا في بنية المجتمع مثل التطرف والانحراف الفكري والإرهاب.
المطلب الرابع: مشكلات ومخاطر
يتعرض أطفال الشوارع إلى العديد من المخاطر والمشكلات سواء على المستوى الأمني أو السلوكي أو الإنساني، وفي هذا الإطار ترصد الباحثة الاجتماعية هبة سلامة مرسي بعض الظواهر السلبية المحيطة بقضية أطفال الشوارع من جهة ما يواجهونه من مشكلات ومخاطر، وتقول في هذا المقام: "إن أطفال الشوارع في مصر يواجهون مشاكل وأخطارًا كثيرة من بينها العنف الذي يمثل الجانب الأكبر من حياتهم اليومية سواء العنف بينهم وبين زملائهم الصغار، أو العنف من المجتمع المحيط بهم، أو العنف أثناء العمل".
ويمكن تقسيم المشكلات التي يتعرض لها أطفال الشوارع إلى المجموعات التالية:
1- مجموعة المشكلات النفسية والاجتماعية.
2- مجموعة المشكلات الصحية.
3- الإدمان.
4- الاستغلال الجنسي.
ويعتبر كل من الإدمان والاستغلال الجنسي من أبرز تجليات هذه المشكلة المخيفة التي يعاني منها نسبة من الأطفال في المجتمع المصري، فمليونا طفل من بين نحو 27 مليون طفل، موجودون في مصر نسبة ليست باليسيرة ويعتبر أيضًا كل من الإدمان والاغتصاب أو الاستغلال الجنسي من بين أبرز مشكلات أطفال الشوارع في مصر.
أولاً.. مجموعة المشكلات النفسية والاجتماعية: من المشكلات التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال؛ رفض المجتمع لهم لكونهم أطفالاً غير مرغوب فيهم في مناطق مجتمعات معينة؛ وذلك بسبب مظهرهم العام وسلوكهم غير المنضبط، بالإضافة إلى تعرضهم لمشاكل صحية مختلفة، ومشاكل نفسية بسبب فشلهم في التكيف مع حياة الشارع.
أما عن تأثير تشغيل الأطفال وتشردهم على الجوانب الترويحية فقد أوضحت نتائج البحوث الميدانية التي أجريت حول هذا الشأن أن فقدان الطفل للترويح و"عدم اللعب" نتيجة انشغاله طوال اليوم بأعمال هي من اختصاص الكبار يترك أثرًا سلبيًّا على شخصية الأطفال، فاللعب والترويح من أهم الأنشطة المصاحبة لمرحلة الطفولة فهي التي يكتسب الطفل من خلالها تعلم القدرة على القيادة، والتبعية والتعاون مع زملائه في اللعب، كما أنه يتطور عن طريقها في قدراته الذهنية والعصبية وكذلك قدرته على التفكير وتطوير مهاراته الفردية كذلك.
وفي هذا السياق فإن كثرة الساعات التي يعملها الطفل وانغماسه في نشاطات الكبار يجعله لا يجد وقتًا للعب أو الراحة، مما يفقده الاستمتاع بطفولته، كما أنه يفتقد القدر المناسب والملائم للانتماء، حيث إن عمله لا يمكنه من أن يكوّن له أصدقاء، حيث إن الصداقات تمد الطفل بإدراك واقعي لذاته، كما أن تواجده في العمل طوال اليوم يضعف ولاءه وانتماءه لأسرته.
كل هذا يجعل الطفل العامل أو المُشَرَد غير متوافق نفسيًّا واجتماعيًّا، نتيجة قيامه بدور اجتماعي يحتاج إلى متطلبات لا تتوافر لدى صغار السن، كل هذا يؤثر على توافق الطفل النفسي والاجتماعي مع المجتمع، مما يجعل شخصية الطفل مضطربة غير قادرة على التكيف مع الواقع الاجتماعي للمجتمع، مما قد يؤدي إلى مشكلات وانحرافات في المستقبل.
ثانيًا.. مجموعة المشكلات الصحية: من أهم المشكلات الصحية التي يعاني منها هؤلاء الأطفال؛ التسمم الغذائي، ويحدث هذا التسمم نتيجة تناول هؤلاء الأطفال لأطعمة فاسدة انتهت صلاحيتها، حيث يقومون بجمعها من القمامة وتناولها، وكذلك الإصابة بمرض التيفود وهو مرض منتشر بين أطفال الشوارع نتيجة تناول خضراوات غير مغسولة يجمعها هؤلاء الأطفال من القمامة، أو تناولهم لأطعمة غير صحية تجمع عليها الذباب والحشرات المختلفة والميكروبات نتيجة ضعف الرقابة والإهمال.
ومن الأمراض التي يعاني منها أطفال الشوارع أيضًا مرض البلهارسيا نتيجة تجمعهم سويًا ونزولهم للاستحمام في مياه الترع والمصارف الملوثة، بالإضافة إلى إصابتهم بالأنيميا نتيجة عدم تنوع واحتواء الوجبات التي يأكلونها على المتطلبات الضرورية لبناء الجسم، وهذا نتيجة طبيعية لفقرهم وعدم توفر موارد الإنفاق لديهم.
ومعظم الأمراض المنتشرة بين أطفال الشوارع هي بسبب تناولهم للطعام من القمامة نتيجة لعدم توفر المال لديهم لشراء طعام نظيف بالإضافة إلى عدم الاهتمام بالنظافة الشخصية مما يؤدي إلى تقرحات بالجسم بالإضافة إلى استحمامهم في المياه غير النظيفة.
ثالثًا.. الإدمان: تعتبر مشكلة الإدمان من المشاكل الخطيرة التي قد يتعرض لها هؤلاء الأطفال، وهي مشكلة يعاني منها المجتمع المصري وتهدد بضياع جيل بأكمله، حيث تعمل العصابات وتجار المخدرات على استغلال صغر سن هؤلاء الأطفال لإدخالهم في دائرة الجريمة وترويج المخدرات وغالبًا ما يكون الطفل لديه حب الاستطلاع فيحاول تعاطي هذه المخدرات ليتعرف عليها وتكون النتيجة الطبيعية الإدمان واستغلال التجار لهم في تجارتهم القذرة.
وفي أحيان كثيرة نجد مجموعة من الأطفال الصغار يجلسون في الأماكن القذرة البعيدة عن أعين رجال الشرطة لاستنشاق الكُّلة أو تعاطي أدوية السعال وغيرها من العقاقير والأدوية المخدرة، والتي تعتبر من صور الإدمان لديهم.
وتعتبر هذه الفئة (أطفال الشوارع) هي الأكثر تعرضًا للإدمان بسبب أميتهم وعدم استقرارهم النفسي وسرعة تحركهم من مكان إلى آخر وسهولة حصولهم على جميع أنواع المخدرات بسبب استغلال التجار لهم، لذلك تهتم الهيئات والمنظمات المختلفة بهذه المشكلة وتبذل الجهد من أجل التغلب علي هذه الظاهرة الخطيرة.
رابعًا.. الاستغلال الجنسي: يؤكد خبراء علم الاجتماع أن أخطر ما يتعرض له أطفال الشوارع هو "الاستغلال الجنسي" والاغتصاب لصغر سنهم، وعدم قدرتهم على مواجهة الإساءة الجنسية، من قبل مرتكبيها، وبوجه عام تنتشر هذه العادة السيئة في البلدان الصناعية، ففي الولايات المتحدة وحدها ما لا يقل عن 100 ألف طفل، متورطين في هذا النوع من الاستغلال.
ويؤدي الاستغلال الجنسي للأطفال إلى إصابتهم بالعديد من المخاطر الصحية بما في ذلك الأمراض النفسية، والإصابة بنقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والأمراض التناسلية، وبالتالي دخولهم في دائرة إدمان المخدرات، وهذه الصورة السيئة قد تكون شبه منعدمة في مجتمعنا الإسلامي، فالإسلام يحرم هذه الصورة وينفر منها، حرصًا على الإنسان الذي خلقه المولى عز وجل مكرمًا، إلا أنها بدأت في التفاعل في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة نتيجة الفقر وتراجع مستوى القيم والأخلاق في ظل التحولات الراهنة في مصر.
نماذج حالة وصور واقعية
وحول ما يتعرض له أطفال الشوارع من انتهاكات يقول محمد أحمد محمد، البالغ من العمر 13 عامًا: "ولدت في أسرة كبيرة العدد وكان دخل الأب لا يكفي لإطعامنا، خاصة أن والدي يعمل حدادًا باليومية، (يوم يعمل والآخر لأ)، وطبعًا لم يقدر علي تعليمنا فأخرجنا من المدارس، حتى نتحمل معه المسئولية فاشتغلت في بيع الزهور للمواطنين الموجودين على ضفاف النيل، إلا أنني أتعرض كثيرًا للضرب من رجال الشرطة، لكن ماذا أفعل؟، ما باليد حيلة".
انتهاكات جنسية
أما الفتيات اللاتي يعشن في الشارع فيتعرضن لمخاطر الانتهاكات الجنسية فضلاً عن الضرب على أيدي رجال الشرطة، وفي هذا المقام تقول أميمة أ . ع وتبلغ من العمر 16 عامًا: "تركت منزل (زوجي) هربًا من بطشه، ولم الجأ إلى بيت أهلي لأني أعلم أنهم سوف يعيدوني إليه رغمًا عني، فقررت تركه وفررت بطفلتي الرضيعة وفضلت البقاء في الشارع، وأنا الآن أنام أسفل أحد الجسور، وقد تعرضت كثيرًا للمخاطر والضرب والاغتصاب، (كنت أعتقد أن الشارع سوف يكون أحنُّ عليَّ مما كنت فيه) إلا أنني وجدت الحياة في الشارع أكثر سوءًا".
آباء يدفعون بأطفالهم إلى الشارع
ووفق عدد من الباحثين الاجتماعيين؛ فإن معظم حالات أطفال الشوارع التي تم بحثها وُجِدَ أن الآباء هم أنفسهم الذين يدفعون بأطفالهم إلى الشارع وليس فقط زوج الأم أو زوجة الأب إذا كان الأبوان منفصلين، فهذه مثلا قصة أب حاول التخلص من ابنه البالغ من العمر ثماني سنوات فألقى به على قضبان السكك الحديدية، إلا أن الطفل نجا من الموت لكن بترت ساقه فعمل في التسول وبيع المنتجات البسيطة في إشارات المرور وعلى الكباري.
أما الطفل السيد ع . م (14 عامًا) فيقول: "خرجت للعمل منذ أكثر من خمس سنوات، فقد أمرتني أمي بالعمل فلا أكاد أخرج من المدرسة حتى أذهب لبيع "الفوط" في مواقف السيارات، والأموال التي أجنيها أسلمها لأمي، أحلم بأن أرتاح من أشعة الشمس الملتهبة وقت الظهيرة وأتمنى أن العب كبقية الأولاد فأنا لا ألعب، وأحلم بأن أكون طبيبًا حتى أعالج آلام المرضى".
أما الطفل أحمد م .ع؛ وهو تلميذ في الصف الأول الابتدائي فيقول: "أبي لا يعمل، فهو جالس معظم الوقت في البيت وقد أمرني أنا وأخواتي بالخروج للعمل وإحضار المال له، وطبعًا لا نقدر أن نقول له لا، حتى لا نتعرض للضرب، فأنا لي أخوة كثيرون وكلنا نعمل في التسول، نخرج في الصباح ولا نعود إلا إذا استطاع كل واحد منا إحضار عشرة جنيهات يوميًّا، وإذا لم يستطع أحد جمع هذا المبلغ فإنه يتعرض للضرب المبرح من أبي، فنحن لا نستطيع أن نقول لا".
مشكلة مزمنة
وعن الصورة السابقة يقول الاختصاصي النفسي محمد رجب محمد: "أطفال الشوارع لا يمكن أن نعتبرهم ظاهرةً؛ بل مشكلة لا بد من وضع حلول لها، فهؤلاء الأطفال الصغار انتهكت طفولتهم، وكان على الآباء ضمان السلام لأبنائهم من كافة الجوانب النفسية والجسدية والعقلية والانفعالية، فما الذي يمكن أن نتوقعه من طفل تربى في الشارع؟!، فهؤلاء الأطفال معرضون لمخاطر كثيرة، فمن الناحية النفسية والانفعالية فهؤلاء الأطفال مصابون بالقلق والتبول اللا إرادي، بالإضافة إلى جانب الحقد على المجتمع والعصبية وشعورهم بعدم الأمان والظلم".
أما من الناحية الجسدية فهؤلاء الأطفال معرضون لحوادث السيارات أو الاغتصاب بالإضافة إلى تعلمهم عادات سيئة، ويلاحظ على هؤلاء الأطفال مشكلات سلوكية خطيرة كالكذب والسرقة وذلك بسبب عدم توفر الرقابة الأسرية عليهم، أما من الناحية العقلية فيلاحظ تدني مستوى الطموح لديهم فكل ما يشغلهم هو كيفية توفير لقمة العيش.
وبطبيعة الحال فإن تأثير هؤلاء الأطفال خطير على المجتمع فنتيجة لشعورهم بالحرمان والنقص، قد يلجئون في المستقبل إلى الانتقام من كل من حولهم، لذلك فهم بحاجة ماسة إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي والجسدي، وتعويضهم عن هذه الفترات المدمرة من حياتهم، كما أن هناك نقطةً هامةً يجب الانتباه إليها وهي أن تشغيل الأطفال يؤدي إلى انفصال الطفل عن باقي الأفراد، ويجعله على هامش المجتمع، وبالتالي تتسع الهوة بينه وبين الجماعات الأخرى، فينظر إليها على أنها تتفوق عليه بالقدرة والنفوذ والمال ومن هنا يتولد الشعور بالكراهية والحقد.
المطلب الخامس: سمات أطفال الشوارع
وحول سمات وخصائص مجتمع البحث (أطفال الشوارع والمشردين)، فإنه يتسم بمجموعة من السمات الخاصة من أبرزها:
أولاً.. الشغب والميول للعدوانية: معظم أطفال الشوارع لديهم نوع من العدوانية ونزوع نحو العنف نتيجة الإحباط النفسي الذي يصيب الطفل من جراء فقدانه الحب والمعاملة الكريمة داخل أسرته، ويزداد الميل إلى العدوانية مع ازدياد المدة التي يقضيها الطفل في حياة الشارع، حيث يتعلم من الحياة في الشارع أن العنف هو لغة الحياة في الشارع، وقد يوجه هذا العنف إلى مجتمع الأسرة والأقران فقط أو إلى المجتمع الكبير الواسع المحيط به.
ثانيًا.. الانفعالية الشديدة وغير المرشدة: فالحياة في نظر طفل الشارع هي لعب وأخذ فقط دون الاهتمام بالمستقبل، مع الاستجابة غير المرشدة لأتفه المثيرات وأصغرها شأنًا، والسعي أيضا للحصول على الأشياء التي فشل في الحصول عليها من أسرته التي دفعت به إلى الشارع رغمًا عنه.
ثالثًا.. الكذب والمخادعة والقدرة على "التمثيل": يتسم أطفال الشوارع بخاصية الكذب والمخادعة وكذلك القدرة على الادعاء أو "التمثيل" فهم يتقنون الادعاء والمخادعة والتظاهر؛ لأنها كلها سلوكيات تمثل إحدى وسائلهم الدفاعية ضد أي خطر يواجههم.
عدم التركيز وضعف القدرات الذهنية: وبالتالي انخفاض مستوى الثقافة والتعليم، فمستوى أطفال الشوارع الدراسي ضعيف جدًّا، فمنهم من لم يلتحق بالتعليم أصلاً- نسبة التسرب في مصر وصلت إلى ما بين 18% و 20%- ومنهم من يتسرب من الدراسة مبكرًا كما أنهم لا يستطيعون التركيز على أي حديث قد يكون طويلاً وهو ما يعود وفق الدراسات النفسية والسلوكية التي أجريت عليهم إلى كون حياة الشارع غير مستقرة وحافلة بالمفاجآت والمخاطر التي تستوجب ردود أفعال غير تقليدية تؤدي مع تكرارها إلى تشتت ذهنية الطفل وبالتالي تشكيل فكره وسلوكه بشكل غير طبيعي.
وإذا تُرك هؤلاء الأطفال دون اهتمام فإن العديد من المخاطر سوف تعترضهم في ظل عدم وجود الرعاية الأسرية المناسبة لهم، وعدم وجود القدوة أو النموذج السلوكي الملائم، بالإضافة إلى تعلم مظاهر مختلفة من السلوكيات الخاطئة، وبالتالي سوف يصبح لديهم الكثير من الصفات والخصائص غير المقبولة اجتماعيًّا.
المطلب السادس: اتجاهات عامة وتصورات حول سبل علاج هذه المشكلة
في واقع الأمر فإن دور الدولة في التصدي لهذه الظاهرة والقضاء عليها إنما هو الأكثر حيوية في هذا المقام، وفي الحقيقة فإن المسئولين بالدولة يحاولون تحقيق تقدم في تنفيذ المبادرة القومية لتأهيل ودمج أطفال الشوارع في المجتمع، إلا أن الفساد الإداري والبيروقراطية تقف حائلاً كبيرًا أمام ذلك.
كما أن هذا لا يمكن أن يتحقق دون أن تتضافر كل الجهود في المجتمع لمواجهة ظاهرة أطفال الشوارع، وأولى سبل المواجهة توفير دور استقبال وإيواء للأطفال ورعاية نهارية وإقامة دائمة لهم وتوفير فصول للتعليم وعيادات متنقلة ومطابخ لتقديم وجبه ساخنة، هذا بالإضافة إلى الرعاية الاجتماعية والنفسية من جانب الإخصائيين الاجتماعيين للتعرف علي مشاكل هؤلاء الأطفال ومحاولة حلها.
كما أن الوزارات عليها دور كبير في دعم مراكز استقبال الأطفال وإمكانية إنشاء مراكز إضافية وذلك لتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية للأطفال بلا مأوى لجذبهم بعيدًا عن الشارع توطئة لإعادتهم لأسرهم، وتدريب الإخصائيين الاجتماعيين والنفسيين على التعامل معهم من منظور حقوق الطفل.
وحفاظًا على الأطفال المحتجزين داخل المؤسسات العقابية أو التأهيلية أو الرعاية، تتطلب قواعد الأمم المتحدة تزويد الأطفال المحرومين من حريتهم بالعناية الطبية الوقائية والعلاجية، وذلك عن طريق توفير أطباء أسنان لهم وكذلك أطباء عيون بالإضافة إلى الإخصائيين الاجتماعيين، مع ضرورة توفير المستحضرات الطبية والوجبات الغذائية الخاصة التي يشير بها الطبيب.
وكجزء من العناية بهؤلاء الأحداث، فلكل حدث الحق في أن يفحصه طبيب فور إيداعه في مؤسسة احتجازية، وكذلك ينبغي أن يكون هدف الخدمات الطبية التي تُقدم إلى الأحداث اكتشاف ومعالجة أي مرض جسدي أو عقلي وأي حالة لتعاطي مواد الإدمان أو غير ذلك من الحالات التي قد تعوق اندماج الحدث في المجتمع، وينبغي للمعالجة من إدمان المخدرات أن تشمل برامج متخصصة، للوقاية من استعمال المخدرات ولإعادة تأهيل هؤلاء الأطفال... [من نصوص قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم، والتي اعتمدت بقرار الجمعية العامة 45/113، والمؤرخ في 14 ديسمبر 1990م].
إلا أن المشكلة الأخطر ليست في مؤسسات رعاية الأحداث بل تكمن هناك في أولئك الموجودين في الشوارع وعلى الجسور وأسفلها وفي مقالب القمامة وفي أماكن المهن الخطرة، وفي صدد هؤلاء فإن هناك العديد من الإجراءات التي يمكن أن يتم اتخاذها على مستويي الحد من الأزمة والعمل على منع وقوعها من الأساس وذلك على المستويين القطري والعالمي الأمر الذي يعني أن الجهد الذي ينبغي أن يبذل يجب أن يكون عالميًّا ومحليًّا في آن واحد، ومن أهم ما يمكن أن يطرح في هذا المقام:
* على المستوى الدولي:
- تقديم المنح للدول التي تعاني من تفاقم أزمة عمالة الأطفال بغرض تحقيق التأهيل النفسي والاجتماعي المناسب للأطفال الذين دخلوا إلى سوق العمل في سن مبكرة على أن تتشكل لجان مراقبة لمتابعة توزيع هذه المنح وضمان سيرها في الاتجاه الصحيح دون تبديد على أن تتم مناقشة مدى التزام الدول بهذه الخطوة في الأمم المتحدة ويوضع سجل حقوقي عام للدول بموجبه يتم اتخاذ إجراءات بحق هذه الدول، على ألا تكون إجراءات عقابية تضر بالمجتمع ككل ولكنها إجراءات تتيح التدخل في ميزانيات الدول لتحويل نسب معينة منها لصالح تأهيل الأطفال المنضمين لسوق العمل.
- إجبار الدول على إطلاق عمل جمعيات المجتمع المدني بحرية دون السماح لهذه الأنشطة بالإخلال بالقيم والمبادئ الاجتماعية من خلال اتفاق عام بين الدول والأمم المتحدة تتم فيه مراعاة عادات وتقاليد كل دولة كألا يتم السماح مثلاً بعمل المرأة في المناطق القبلية التي قد لا تتقبل مثل هذه السلوكيات، وعدم السماح بتدخل الرجال في تأهيل الإناث من الأطفال.
* على المستوى المحلي:
- تقوية الحافز الديني والاجتماعي لدى المواطنين بما يجعله يفوق الحافز المادي لمنع تضحية الأسر بأبنائهم من أجل الحصول على مكاسب بسيطة ومرحلية وغير دائمة.
- الاهتمام بالطبقات الفقيرة والمهمشة على المستويين الاجتماعي والمادي والمعرفي الأمر الذي يمنعها من إرسال أبنائها إلى "جبهات القتال" في سوق العمل، والصبر إلى حين انتهاء الأطفال من المرحلة السنية التي يكونون فيها في حاجة إلى الآخر من أجل تحقيق الاستفادة الفردية والعامة، ومن الضروري أن يتم ذلك من خلال أسلوب علمي ممنهج يبحث في الأسباب التي تجعل بعض الأسر لا تثق بوعود حكومات بلادها بسبب عوامل مثل ضعف الانتماء للبلاد أو فقدان الثقة في عدالة النظام السياسي والاجتماعي الذي أفرزه أو الذي أفرز من خلاله.
- إطلاق النظم السياسية لحرية العمل للمنظمات المدنية المختلفة من خلال العمل وفق القواعد الدولية التي يفترض أن يتم الاتفاق عليها مع الأمم المتحدة دون الخوف من الاهتزاز السياسي جراء تحسن المستوى الفكري لأفراد المجتمع حيث إن ذلك يمكن امتصاصه عن طريق إطلاق الحريات السياسية بما يساعد على تغيير صورة المجتمع ويحفظ للنظام الحاكم استقراره فهو إن سار وفق تلك القواعد سيصير النظام الأنجح والأكثر قبولاً بين المواطنين لإطلاقه عمليات الاجتماعية والحريات السياسية.
يبقى أن الأطفال هم ركيزة المستقبل، فمجتمع بلا أطفال هو مجتمع بلا مستقبل، فكل قائد كبير كان طفلاً وكل مجرم كان أيضًا طفلاً، والمجتمع العقلاني هو الذي يختار الطريق الذي يسلكه طفله والذي يؤدي به في النهاية إلى أي من الصورتين السابقتين.




العنف والفقر والجريمة في مصر: ارتباك المجتمع (5- 5)
الحلقة الخامسة: البطالة والغول الذي يلتهم المجتمع..
تعتبر ظاهرة البطالة هي إحدى أهم الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تنخر في جسد الاقتصاد المصري، وإحدى أبرز الملفات التي بات من الواجب على كافة القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في مصر العمل على إيجاد صيغة لعلاجها أو على الأقل لبدء حراكٍ اجتماعي وإصلاح سياسي واقتصادي شامل نحو رسم خطة في هذا المقام.
وفي هذا الإطار- وفي هذه الورقة- نحاول أن نرسم ملامح لهذه المشكلة، وجذورها الضاربة في تاريخ مصر المعاصر منذ التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة والمفاجئة التي شهدتها مصر منذ ثورة 23 يوليو من العام 1952م، وكذلك آراء مجموعة من الاختصاصيين حول هذا الملف الكبير والخطير، والذي يهدد إذا ما لم يتم على الأقل حصاره بانهيار اجتماعي فجائي يودي إلى فوضى شاملة، في مجتمع باتت الأمراض الاجتماعية تهاجمه من كل صوب.
وفي هذا الإطار فإن هذه الورقة سوف تتناول هذا الملف من خلال المطالب الفرعية الآتية:
1- المطلب الأول: تعريف البطالة وواقعها في مصر.
2- المطلب الثاني: سمات كتلة العاطلين في مصر.
3- المطلب الثالث: أسباب مشكلة البطالة في مصر.
4- المطلب الرابع: برنامج الدولة ومدى واقعيته.
5- المطلب الخامس: البطالة ونواتج اجتماعية.
وأخيرًا مطلب ختامي بعنوان "البطالة في مصر وإستراتيجيات غائبة" حيث يحمل بعض الأفكار حول هذه المشكلة وسبل التعاطي معها.

المطلب الأول: البطالة.. التعريف والواقع المصري
البطالة هي تعبير عن قصور في تحقيق الغايات من العمل في المجتمعات البشرية، وحيث الغايات من العمل متعددة، تتعدد مفاهيم البطالة فيقصد بالبطالة السافرة وجود أفراد قادرين على العمل وراغبين فيه، ولكنهم لا يجدون عملاً، ويقتصر الاهتمام بالبطالة، في حالات كثيرة، على البطالة السافرة فقط.
لكن مفهوم البطالة، أو نقص التشغيل، يمتد إلى الحالات التي يمارس فيها فرد عملاً ولكن لوقت أقل من وقت العمل المعتاد، أو المرغوب، وتسمى هذه الظاهرة البطالة الجزئية الظاهرة أو نقص التشغيل الظاهر، ويمكن اعتبار نقص التشغيل الظاهر تنويعة على صنف البطالة السافرة. وتزداد أهمية التفرقة بين ألوان البطالة في البلدان النامية التي لا يلتحق بالقطاع الحديث من النشاط الاقتصادي فيها إلا قلة من العاملين، حتى هذه القلة لا تتمتع بمزايا العمل، أو التعويض عن البطالة، المعتادة في الاقتصادات الرأسمالية الناضجة (لهذا لا يستقيم، كما يقال أحيانًا، إن معدل البطالة في مصر يقل عن أوروبا مثلاً).
وفي مصر يتأثر تقدير حجم البطالة بالمشاكل المفاهيمية والعجز الإحصائي بالشكل الذي ظهر فيما سبق؛ حيث إن أول ما يواجهنا من عقبات عند التصدي لقضية البطالة هو قلة البيانات وعدم دقتها وإخفائها أحيانًا بشكلٍ يقود إلى تصور إجراءات التصحيح والعلاج.
ويبدأ التزييف الرسمي لحجم ومعدل البطالة من تعريف العاطل بأنه: "من لا يوجد له مصدر للرزق"، بما يعني استبعاد من لهم مورد رزق ناجم عن ميراث أو نتاج عمل سابق بالداخل أو الخارج حتى لو كانوا مؤهلين وقادرين على العمل وراغبين فيه ولا يجدون عملاً عند مستويات الأجور السائدة، وهذا التعريف الحكومي هو تعريف مخالف تمامًا للتعريف المعمول به في كل اقتصاداتِ العالم، والذي يحدد العاطل بأنه القادر والمؤهل للعمل والذي يطلب العمل عند مستويات الأجور السائدة ولا يجد عملاً.
حجم المشكلة
ويمكن تتبع تطور حجم مشكلة البطالة في مصر من خلال بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول تقدير حجم البطالة حيث نجد أنه في عام 1960م كان معدل البطالة 2.5% من إجمالي حجم القوى العاملة، وفي تعداد 1976م يقفز الرقم إلى 7.7 % ثم إلى 14.7% من تعداد 1986م، ولكنه وصل في 1996م إلى 8.8% إلى أن أعلن وزير التخطيط والتنمية المحلية الدكتور عثمان محمد عثمان أن الخطط المصرية التنموية تسعى خفض معدل البطالة من 9.5% حاليًا إلى 5% في العام 2010م، على أنه من المهم هنا أن نشير إلى أن تلك الأرقام تتعلق فقط بالبطالة السافرة فهي لا تشمل البطالة المقنعة الإنتاجية كما لا تشمل البطالة الموسمية أي هؤلاء الذي يعملون في موسم معين ثم يتعطلون باقي العام، كما لا تشمل أولئك الذين يعملون في حرف وقطاعات هامشية لا استقرار فيها تتسم بضعف الدخل للدرجة التي لا توفر الحياة اللائقة.
أما بالنسبة لرقم ومعدل البطالة الحقيقية في الوقت الراهن فهناك اختلاف فيها، فبيانات الحكومة متمثلة في الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تشير إلى أنَّ عددَ العاطلين في مصر قد بلغ نحو 1.78 مليون عاطل في بداية عام 2002م بما يعني أن معدل البطالة قد بلغ نحو 9.1% من إجمالي تعداد السكان، ولكن هذه النسبة تزداد كثيرًا إذا ما نسبت لحجم قوة العمل في مصر وبالمقابل تشير بيانات البنك المركزي المصري في نشرته الإحصائية والشهرية الصادرة في أبريل 2002م، إلى أنَّ عددَ العاطلين في مصر ثابت عند 1.5 مليون عاطل من العام المالي 69/97 وحتى العام المالي 2000/2001م؛ حيث بلغ 7.6% من إجمالي قوة العمل البالغة نحو 19.5 مليون نسمة.
وهذه البيانات بدورها تختلف عن البيانات التي أوردها صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2001م، ولكنها جاءت معتمدة على بيانات عام 1995م، وهو العام الذي تتوقف عنده بيانات صندوق النقد الدولي لعدم وجود بيانات يمكن للصندوق أن يأخذ بها للأعوام التالية لعام 1995م.
كما يمكن الوصول إلى تقدير رقم آخر لحجم البطالة يختلف عن الأرقام السابقة، ويستمد من بيانات حكومية موثقة، وذلك من خلال البيانات التي أعلنتها اللجنة العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء عند تطبيقها لنظام للتعامل المتقدمين لشغل عدد 170 ألف وظيفة حكومية تم الإعلان عنها عام 2001م فقد بلغ عدد عن يسحب استمارة تشغيل نحو 7 مليون شخص، أما من قام بتقديم طلب فعلى لشغل الوظيفة فقد بلغ نحو 4.40 ملايين.
وقد أشارت اللجنة الوزارية العليا للتشغيل إلى أن 53.5% من بين 4.4 مليون تقدموا لشغل الوظائف الحكومية لا تنطبق عليهم الشروط، وهذا يعني أن 46.5% منهم أي نحو 2.05 مليون تنطبق عليهم الشروط وأولها أن يكون عاطلاً عن العمل.
يُضاف إلى ذلك أنه لو جرى تأمل من اعتبرت الحكومة أن الشروط لا تنطبق عليهم سنجد أنهم لا زالوا داخل دائرة مَن يعتبر عاطل، ولكنهم خرجوا من دائرة المنافسة على 170 ألف فرصة عمل بسبب شروط أخرى للتشغيل، حيث أن 10 % من عدد المتقدمين أي نحو 440 ألف لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم بلا مؤهلات، كما أنها اعتبرت أن 6.5 % من المتقدمين أي نحو 286 ألفًا لا تنطبق عليهم الشروط لأنهم من خريجي ما قبل 1984م.
كما أنها اعتبرت أن 10% من المتقدمين أي 440 ألفًا لا تنطبق عليهم الشروط؛ لأنهم يعملون في أعمال غير دائمة وغير مؤمن عليهم، كما أعلنت اللجنة أن شروط التشغيل لا تنطبق على نحو 15% من المتقدمين أي نحو 660 ألفًا باعتبارهم من النساء، ممن هُنَّ من خريجات النظام التعليمي اللاتي تزوجن ويعشن حياة مستقرة وكأن زواج المرأة واستقرارها يخرجها من قوة العمل، رغم أنهن في سن العمل ويرغبن في العمل وقادرات عليه.
وبناء على البيانات السابقة فإن عدد العاطلين وفقًا لهذا المصدر الحكومي يصبح 3.436 مليونًا عاطلاً (أي أكثر بثلثين من الرقم الرسمي المعلن للبطالة) وهو عبارة عن 2.05 اعتبرت الحكومة أنهم تنطبق عليهم شروط التشغيل الحكومي ونحو 660 ألف امرأة مؤهلة وقادرة، وطلبت العمل وهي في سن النشاط الاقتصادي، ونحو 440 ألف عاطل من غير المؤهلين ونحو 286 ألفًا من العاطلين من خريجي النظام التعليمي قبل عام 1984م.
وبذلك تتضح حقيقة حجم مشكلة البطالة حيث يتوقع أن حجم البطالة الحقيقي لا يقل بأي حال من الأحوال عن 17% إلى 20% من حجم قوة العمل في مصر.
مشكلة تزييف البيانات
بعد التعريف الخاطئ للبطالة يتواصل التزييف الرسمي لبيانات العاطلين في مصر بالقول بأن قوة العمل المصرية لا تزيد علي 20.7 مليون نسمة في منتصف عام 2004م، في حين تشير بيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم للعام 2005م، إلى أن تعدادها بلغ 26.7 مليون نسمة في عام 2003م، بما يزيد بمقدار 6 ملايين نسمة على تعدادها الرسمي في مصر، وهذه الزيادة يمكن أن تضاف بالكامل إلى الرقم الرسمي للعاطلين البالغ 2 مليون عاطل لتصل بعدد العاطلين في مصر إلى 8 ملايين عاطل وبمعدل البطالة إلى نحو 30% من قوة العمل المصرية. ومن طرائف تزييف البيانات الرسمية المتعلقة بالبطالة في مصر أن بيانات البنك المركزي المصري في نشرته الإحصائية الشهرية الصادرة في إبريل من العام 2002م، كانت تشير إلى أنَّ عددَ العاطلين في مصر قد ثبت عند 1.6 مليون عاطل من العام المالي 1992/1993م حتى العام المالي 1995/1996م، ثم انخفض بعد ذلك إلى 1.5 مليون عاطل من العام المالي 1996/1997م، وحتى العام المالي 2000/2001م، وبالتالي فإن معدل البطالة قد اتخذ اتجاهًا تراجعيًّا مستمرًّا بلا انقطاع منذ العام المالي 1993/1994م عندما سجل 9.8% وحتى العام المالي 2000/2001م حينما بلغ 7.6% وفقًا للبيانات الرسمية الحكومية.
لكن نفس النشرة تعود في عدد مايو 2005م لتشير إلي بيانات مختلفة تمامًا عن السنوات المذكورة آنفًا، حيث تشير إلى أن عدد العاطلين في العام المالي 1992/1993م، قد بلغ نحو 1.8 مليون عاطل، ارتفع إلى 1.9 مليون عاطل في عام 1993/1994م، ثم ثبت عند نفس المستوى في العام المالي التالي عليه، قبل أن يبدأ في التراجع ليصل إلى 1.4 مليون عاطل في العام المالي 1997/1998م، قبل أن يعاود الارتفاع مرة أخرى ليصل إلى 2 مليون عاطل في العام المالي 2002/2003م، ثم يثبت عند نفس المستوى في عام 2003/2004م، وكأنه قد تمَّ توفير فرص عمل لكل الداخلين الجدد إلى سوق العمل في العام المالي الأخير (يدخل حوالي 800 ألف شخص جديد إلى سوق العمل سنويًّا)، وهو ما لم يحدث بأي حال من الأحوال.

المطلب الثاني: سمات كتلة العاطلين في مصر
تتسم كتلة العاطلين في مصر بعدد من السمات الاجتماعية والنوعية يمكن رصدها على النحو التالي:
1- أن الشطر الأعظم من كتلة البطالة يتمثل في بطالة الشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة والذين تتراوح أعمارهم بين 15، 40 عامًا.
2- أن البطالةَ في مصر هي بطالة متعلمة فالغالبية العظمى من العاطلين من خريجي الجامعات ومدارس ثانوية.
3- ارتفاع نسبة البطالة بين النساء ففي عام 1988م كانت نسبة البطالة بين النساء في الحضر 22.1 % مقابل 8.4% بالنسبة للبطالة بين الرجال، أما في الريف فكانت النسبة أكبر من ذلك حيث بلغت 26.3%، بينما سجلت معدلات البطالة في صفوف الرجال في الريف انخفاضًا عن مثيله في الحضر، فقد بلغ نحو 6.6%، أما إذا عدنا للبيانات التي أعلنتها اللجنة العليا للتوظيف المذكورة سابقًا فإننا سوف نجد أن هناك 660 ألف امرأة متعلمة وفي سن العمل وراغبة فيه تعاني من البطالة.
وبالإضافة إلى ذلك يميل اتجاه معدلات البطالة للارتفاع في الحضر بعد أن كانت في فترات سابقة ترتفع بنسبة أكبر في الريف، حيث تشير بيانات تقارير التنمية البشرية إلى أن معدلات البطالة في الحضر كانت 12.5% مقابل 9.2% في الريف، وربما يمكن تفسير ذلك بتزايد معدلات هجرة الأيدي العاملة العاطلة من الريف إلى المدن سعيًا وراء فرصة عمل وخصوصًا في القطاعات الهامشية التي تزدهر في المدن.
المطلب الثالث: أسباب مشكلة البطالة في مصر
ترجع أسباب مشكلة البطالة في الجزء الأكبر منها إلى أسباب هيكلية تعود إلى طبيعة الاقتصاد المصري وحركته كاقتصاد نامي يعاني من اختلالات هيكلية داخلية وخارجية تتمثل في الاختلال في ميزان المدفوعات والاختلال في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب وجود فجوة كبيرة بين كل من الادخار والاستثمار، وبالتالي الإنتاج والاستهلاك.
ولا شك أن البحث في أسباب مشكلة البطالة لا بد من ربطه بنمط عملية التنمية السائدة فقد شهد الاقتصاد المصري تقلب في أكثر من نمط من أنماط التنمية فمن نمط اقتصاد الحر الرأسمالي قبل ثورة يوليو 1952م، إلى نمط الاقتصاد الاشتراكي الموجه مع ما صاحبه من التزام الدولة باستيعاب الجزء الأكبر من العمالة في دولاب العمل الحكومي بشقيه الإنتاجي والخدمي، حيث أدى ذلك إلى خفض معدلات البطالة في تلك الفترة فرغم ما مرَّ به الاقتصاد المصري في الفترة ما بين عامي 1968م إلى 1973م من صعوبات نتيجة لتوجيه وتعبئة الجزء الأكبر من موارده لصالح الاتفاق العسكري إلى جانب ما صاحبه ذلك من تدهور معدل الاستثمار المحلي إلا أن معدلات البطالة في تلك الفترة كانت تدور حول معدلات منخفضة إذا ما قورنت بالوقت الراهن (2.2% من حجم قوة العمل)؛ الأمر الذي قد يرجع إلى استيعاب القوات المسلحة لجزء كبير من قوة العمل مع زيادة سنوات الخدمة العسكرية.
ومع بداية تحول الاقتصاد المصري من نمط التنمية المعتمد على الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى تنفيذ ما سمي بسياسات الانفتاح الاقتصادي في النصف الثاني من السبعينيات اتجهت معدلات البطالة نحو الارتفاع النسبي إلا أن هذا الارتفاع ظل في الحدود المقبولة فقد تراوح معدل البطالة بين 2.3% و5.6% طوال هذه الفترة حيث مكَّنت زيادة حجم الإنفاق الحكومي في ذلك الوقت ممن إعادة الإعمار وزيادة موارد مصر من النقد الأجنبي سواء كان ذلك من البترول أو تحويلات العاملين بالخارج أو حصيلة السياحة، إضافةً إلى القروض الضخمة التي حصلت عليها مصر آنذاك.
كما ساهم استيعاب أسواق العمالة بالخليج العربي لأعداد كبيرة من العمال والفنيين المصريين في تأجيل انفجار مشكلة البطالة إلى عقدي الثمانينيات والتسعينيات حيث شهدت فترة الثمانينات العديد من العوامل التي أدت إلى تفاقم مشكلة البطالة، فساهمت مجموعة من العوامل الخارجية في إضعاف معدلات الاستثمار، وبالتالي زيادة حجم البطالة من هذه العوامل انخفاض الحصيلة من بيع البترول المصري نتيجة لانخفاض أسعارها إلى جانب قلة حجم الصادرات المصرية الأخرى، يضاف إلى ذلك تفاقم مشكلة ديون مصر الخارجية وزيادة أعباء خدمة الدين مع ما صاحب ذلك من قيود على قدرة مصر على الاقتراض.
كل هذه عوامل وأسباب ساهمت في تفاقم مشكلة البطالة بدءًا من عام 1991م، لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي؛ حيث اتخذت مشكلة البطالة أبعادًا جديدة فما هو أثر تطبيقه برنامج الإصلاح الاقتصادي على مشكلة البطالة.
الحكومة شماعة النمو السكاني
تلجأ الحكومة عادةً، إلى إلقاء المسئولية عن ضعف الأداء الاقتصادي وتزايد معدلات البطالة في مصر، على معدلات الزيادة السكانية فيها وما تنطوي عليه من زيادة في قوة العمل، رغم أن الزيادة في عدد السكان وقوة العمل في مصر تعتبر معتدلة وتقل عن المعدلات المناظرة في البلدان التي تدخل ضمن نفس الفئة الداخلية التي تقع فيها مصر.
وبدلاً من أن ينظر الحكم في مصر إلى عنصر العمل كعنصر إنتاجي مهم يمكن توظيفه بشكل فعال في إنتاج السلع والخدمات وزيادة قدرة الاقتصاد المحلي من خلال استثمارات جديدة تستوعبه، فإنَّ الحكمَ وعلى رأسه الرئيس حسني مبارك، يبرر فشله في تحقيق ذلك بشماعة ارتفاع معدلات النمو السكانية، رغم أن تلك المعدلات تتراجع تلقائيًّا بالتوازي مع ارتفاع مستويات المعيشة والتعليم، وليس بالصراخ والشكوى من ارتفاعها.
وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى أن دولة تحقق نموًا ممتازًا وتقدمًا سريعًا وتحسينًا مبهرًا لمستويات معيشة أبنائها هي ماليزيا، تحقق معدلات نمو سكاني أعلى من مصر منذ عام 1965م وحتى الآن بلا انقطاع، وقد بلغ متوسط معدل نمو السكان في ماليزيا نحو 2.4% سنويًّا خلال الفترة من 1990م حتى 2003م، مقارنةً بنحو 1.9% سنويًّا في مصر خلال الفترة المذكورة.
وفي نفس الوقت بلغ معدل البطالة في ماليزيا نحو 3.7% خلال الفترة من 2000م إلى 2002م، مقارنةً بنحو 9% في مصر في الفترة نفسها، وهذه البيانات المقارنة تبطل الحجة التي ترددها الحكومة المصرية بأن النمو السكاني هو المسئول عن أزمة البطالة، فالمسئول الحقيقي هو السياسات الاقتصادية والتي لا تقيم اعتبارًا لتشغيل المواطنين ولا لمصالح الطبقة الوسطى أو الفقيرة؛ لأنها معنية بالأساس بمصالح الطبقة العليا من رجال الأعمال والبيروقراطية الفاسدة والمستثمرين الأجانب الذين تقوم الدول التي ينتمون إليها وهي في غالبيتها الساحقة الدول الدائنة للحكومة المصرية بفرض الشروط الملائمة لهم لتحقيق ما يتم ترويجه على أنه إصلاح اقتصادي أو إجراءات للتكيف الهيكلي.
كما أن الفساد المستشري في الحكومة وأجهزة الدولة هو المسئول أيضًا عن ركود الاقتصاد وضعف قدرته على توفير فرص العمل للمواطنين لتمكينهم من كسب عيشهم بكرامة.
المطلب الرابع: برنامج الدولة ومدى واقعيته
طرح الرئيس حسنى مبارك في حملته الانتخابية قبيل الانتخابات الرئاسية التي جرت في السابع من سبتمبر من العام الماضي 2005م، وعود بخلق 4.5 ملايين فرصة عمل ورفع أجور 5 ملايين موظف بنسبة تتراوح بين 100% و75% إذا أعيد انتخابه كرئيسٍ للجمهورية للسنوات الست القادمة.
وتشكل البطالة الهاجس للمواطنين الذين يشكون من أنها مصحوبة بفساد ومحسوبية بلغا حدًّا غير مسبوق حتى إن الوظائف في الحكومة والجهاز الإداري للدولة صار لها تعريفة معروفة تتراوح بين ثلاثة آلاف و15 ألف جنيه حسب مستوى الأجور في كل إدارة حكومية.
وتشمل التحديات التي تواجه مبارك في هذا المقام عددٌ من القضايا التي تجعل من وعده هذا أمرًا مستبعدًا في تحقيقه، وعلى رأس هذه التحديات ضعف أداء الاقتصاد المصري، وكذلك إعادة تأهيل العمال الذين تمَّ تسريحهم من شركات حكومية خضعت للخصخصة في الفترة الأخيرة، واستخدام الدعم بكفاءة أكبر، وخفض الدين الحكومي لتشجيع البنوك علي البدء في إقراض رجال الأعمال.
والأهم من ذلك خفض عجز الموازنة وتحديات الاختلالات الهيكلية الموجودة في بنية الاقتصاد المصري، وتحتاج مصر لتوفير ما يقدر بنحو 700 ألف فرصة عمل سنويًّا للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وهو هدف تعهد مبارك بتحقيقه في خطبه أثناء الحملة الانتخابية، ويقول بعض الاقتصاديين إن حتى تحقيق معدل نمو قدره 6% سنويًّا قد لا يبقى على العمالة عند مستوياتها الراهنة.
وكما سبق القول، ففيما تقول الحكومة إن معدل البطالة يبلغ نحو 10% لكن التقديرات غير الرسمية تشير إلى مثلي هذا الرقم، وهو ما يدع أي مدقق يجزم بالقول بأن اقتراح مبارك لبرامج لخلق 4.2 مليون فرصة عمل خلال الست سنوات القادمة من خلال مشروعات متناهية الصغر وصغيرة ومتوسطة ومشروعات صناعية وسياحية تبلغ إجمالي الاستثمارات اللازمة لها 211 مليار جنيه؛ يعتبر علاجًا غيرَ واقعي للمشكلة لأنه لا يركز على الأسباب الرئيسة لمشكلة البطالة وعلى رأسها الاختلالات الهيكلية للاقتصاد المصري، ولو تمَّ تمويل هذه المشروعات من خلال القطاع المصرفي ومساهمات رجال الأعمال.
كما طرح مبارك برنامجًا لاستصلاح 1.3 مليون فدان توفر 420 ألف فرصة عمل فضلاً عن برامج لزيادة الأجور والمعاشات وتوسيع نطاق المستفيدين منها من خلال رفع حجم الإنفاق العام في الموازنة العامة للدولة ليصل معدله السنوي إلى 220 مليار جنيه.
خبراء يؤكدون استحالة ذلك
يقول أحمد النجار- الباحث بمركز الدراسات الإستراتيجية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ(الأهرام)- إنه في آخر موازنة للدولة (2005- 2006م) بلغ حجم الاتفاق العام 177.5 مليار جنيه ووصل العجز فيها إلى أكثر من 52 مليار جنيه بنسبة 10.5% من إجمالي الناتج المحلي، فإذا زاد الإنفاق سيرتفع عجز الموازنة أي حجم المديونية المحلية (التي تبلغ الآن 81 مليار دولار) والخارجية (30.2 مليار دولار) وهو ما يهدد بانفجــار التضخم، وقد بلغت نسبة التضخم 4.7% وفق البيانات الرسمية ولكنها تصل إلى 8.5% حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
ويضيف النجار أن برنامج التوظيف الذي طرحه مبارك غير واقعي، فعلى مدى ربع القرن الأخير تم إيجاد 291 ألف فرصة عمل سنويًّا فكيف سيستطيع أن يقفز بهذا المعدل إلى أكثر من الضعف خلال السنوات الست القادمة، وبالتالي فإن هذه البرامج لا تعدو كونها "إعلان نوايا" إذ إن تمويلها يعتمد علي الجهاز المصرفي ورجال الأعمال وليس هناك ضمانة بأن البنوك أو المستثمرين سيوفرون هذه السيولة.
في السياق نفسه يشير أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة الدكتور إبراهيم العيسوي إلى أن المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري لا تحمل على الاعتقاد بإمكانية توفير التمويل اللازم لهذه البرامج خاصة أن معدل الاستثمار انخفض من 29% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 16% في العام 2003/2004م.
البطالة على جدول أعمال الحكومة
وعن دور الحكومة فقد تمَّ الإعلان، عن أن مكافحة البطالة ستلقى أولوية على جدول أعمال الحكومة، وقد صعّدت الحكومة حملة مكافحة البطالة بالإعلان عن مبادرة أخرى تتضمن إضافة حوالي نصف مليون فرصة عمل إضافية إلى المائة والخمسين ألفًا التي سبق الإعلان عنها، من هذه الشريحة الجديدة، أعطيت مسئولية خلق 200 ألف فرصة عمل، في القطاع الخاص، لمكاتب التشغيل التابعة لوزارة العمل، وهي مسئولية كانت دائمًا من صميم اختصاص هذه المكاتب، وليس واضحًا ما هو الجديد الذي سيمكن مكاتب التشغيل من الوفاء بهذه المهمة الآن.
كذلك أوكلت مهمة خلق 200 ألف فرصة عمل أخرى للصندوق الاجتماعي للتنمية، باستخدام تمويل متاح فعلاً يبلغ 1.2 مليار جنيه، وهو الأمر الذي قد يعني، لأول وهلة، افتراض متوسط تكلفة لفرصة العمل يوازي ستة آلاف جنيه مصري، وهي ليست إلا جزءًا يسيرًا من تكلفة خلق فرصة العمل في عموم الاقتصاد المصري.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن برنامج "شروق" للتنمية الريفية- متواضع التأثير- خصص له أن يخلق 33 ألف فرصة عمل، على أن يخلق باقي فرص العمل المعلن عنها من خلال عدد من المبادرات الأخرى (تشمل التدريب على تقنيات الاتصال والمعلومات، ومشاتل الأشجار، وجمع القمامة وإصحاح البيئة).
المطلب الخامس: البطالة ونواتج اجتماعية
تشير دراسة أعدها مركز الأرض لحقوق الإنسان عن أحوال العمال في مصر إلى أن اتباع الدولة لسياسة الانفتاح الاقتصادي وتشجيع رأس المال العربي والأجنبي منذ عام 1974م بدأت معها ظاهرة البطالة، ثم تفاقمت نتيجة لتخلي الدولة عن تعيين الخريجين، ووصل عدد العاطلين إلى 13% من قوة العمل في الفترة من منتصف الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، بحسب تقديرات شبه رسمية.
وطبقًا للأرقام الرسمية فإنَّ عددَ العاطلين في مصر زاد من 112 ألفًا و535 عاطلاً عام 1950م ليصل إلى 5 ملايين عاطل في أوائل 2000م، وأنَّ عددَ العاطلين زاد بنسبة 4000% خلال الـ54 عامًا الأخيرة؛ حيث ارتفعت نسبة العاطلين من 1.2% من جملة قوة العمل عام 1950م لتصل إلى 3.4% عام 1970م وصولاً إلى 13% عام 2000؛ وهو ما يعتبره خبراء حد الخطر؛ حيث تؤكد الدراسات الاقتصادية أن الحد الآمن لنسبة البطالة في أي مجتمع يجب ألا يتخطى الـ4% فقط.
هذه الظاهرة كان لها بطبيعة الحال آثارًا اجتماعية كبرى ونتج عنها العديد من الأمراض ذات الأثر الكبير في المجتمع المصري، مثل ارتفاع معدلات الجريمة والانتحار وغير ذلك من صور الحياة السلبية التي عرفها مجتمعنا.
** أولاً: البطالة وارتفاع معدلات الجريمة:
الجريمة إحدى نواتج البطالة
يؤكد خبراء في مراكز الأبحاث الاجتماعية أن البطالة تؤدي لمشكلات وجرائم عديدة، لأن لها أبعادًا سياسية واقتصادية واجتماعية، فطبقًا لدراسة أعدتها الدكتورة نادرة وهدان، الخبيرة في مركز التخطيط الاجتماعي التابع لمعهد التخطيط القومي، فإن هناك علاقةً طرديةً بين زيادة معدل البطالة وبين انتشار الجريمة؛ لأن العاطل عمومًا في حاجةٍ شديدة إلى المال لإشباع رغباته الأساسية، فإذا ما تعذَّر عليه الحصول على المال بالطرق المشروعة، فإنه يلجأ إلى الطرق البديلة للحصول عليه، وأغلبها يتمثل في جرائم السرقة والاتجار في المخدرات.
ولأن البطالة أيضًا مرتبطة بتأخر سن الزواج فإن العاطلين أكثر من غيرهم عرضةً لارتكاب جريمة الاغتصاب وهتك العرض، ولهذا لم تكن مفاجأة أن تجد الدراسة أن 78% من المتهمين في مثل هذه الجريمة هم من العاطلين، إذ إن نسبة المتهمين في الجنايات من العاطلين كانت 9.2% عام 1971م، وارتفعت إلى 26.7% عام 1996م ثم إلى 29% عام 2002م.
في حين أن المتهمين في جنح سرقات المساكن من العاطلين بلغت نسبتهم 15.6% عام 1971م، وارتفعت إلى 57.5% عام 1996م، وإلى 60% عام 2002م، كما ارتفعت نسبة العاطلين المتهمين في جرائم سرقة السيارات من 6.8% عام 1971م، إلى 67.2% عام 1996م ثم 71% عام 2002م.
وتؤكد ذات الدراسات أن 65% من إجمالي الجرائم، التي تشهدها مصر سنويًّا، يرتكبها عاطلون عن العمل، وكذلك 90% من جرائم الاغتصاب و80% من جرائم القتل، التي تقع في نطاق الأسرة ترتكب بسبب وجود عاطلين في محيط الأسرة.
** ثانيًا: البطالة والانتحار:
لعل أخطر الجرائم المستحدثة في عالم العاطلين هي الانتحار، إذ زادت حالات الانتحار بين العاطلين لوضع حد لحياتهم البائسة، وأغلب حالات الانتحار تتم بالشنق ثم الغرق ثم تناول مادة سامة ثم الموت طعنًا بالسكين.
تقرير التنمية البشرية وقضية البطالة
يشير تقرير التنمية البشرية لمصر 2005م الصادر في يناير 2006م الماضي، إلى أن البطالة المزمنة هي إحدى أخطر المشاكل التي تواجه الاقتصاد المصري حاليًا، وقد بلغ الرقم الرسمي لمعدل البطالة 11% عام 2003م، هذا على الرغم من أن الرقم غير الرسمي قد يكون أعلى.
وفي الوقت ذاته، من المتوقع أن تنمو قوة العمل في مصر بنحو 3% سنويًّا على مدى العشرين عامًا القادمة، وهو ما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي يجب أن ينمو بمعدل يتراوح بين 6-7% حتى يمكن امتصاص العمالة الإضافية وأدى التحسن الكبيرة في الأوضاع الصحية للأطفال، إلى تراجع مستمر في معدل وفيات الرضع والأطفال منذ عقد الستينيات، وترتب على ذلك أن أصبح السكان في سن العمل (15-64 سنة) يُشكلون 51% من إجمالي السكان، كما أن 35% من العاملين تقل أعمارهم عن 24 سنة.
وبالإضافة إلى ذلك، يُشكِّل الشباب الغالبية العظمى من المتعطلين الذين يطرقون أبواب سوق العمل لأول مرة والذين يجدون أنفسهم في انتظار فرصة عمل أيًّا كانت، وأصبح ذلك الوضع بمثابة ضياع للموارد البشرية الثمينة، كما أنه قد يشكل خطرًا على الاستقرار.
وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة لعام 2005م بلغ عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في عام 2000م قرابة 16.7% من السكان، وفي بلد يبلغ عدد سكانه 77.5 مليون نسمة، وإذا صحت أرقام الأمم المتحدة، فعلى قرابة 13 مليون نسمة أن يعيشوا في ظروف حياتية غير بشرية.
وتبقى المشكلة الكبرى في هذا البلد معدلات البطالة المرتفعة، فنسبة البطالة الرسمية تبلغ 9.9% من القوى العاملة، في حين يقول محللون اقتصاديون محليون إن النسبة الحقيقية للعاطلين عن العمل هي ضعف ما تعترف به الحكومة ويصلون بها إلى 29% وبمعدلات الفقر إلى ما بين 60% إلى 70%، بحسب تقرير شبكة المعلومات الإقليمية التابع للأمم المتحدة.
عايز حقي.. "اتحاد شباب العاطلين"
ظاهرة اجتماعية أخرى وُلدت نتيجة للبطالة، وهي بمثابة ردة فعل سلمية لشباب المجتمع المصري إزاء البطالة ودور الدولة في خلق هذه المشكلة، وهذه "الظاهرة" هي حركة شبابية جديدة للعاطلين تحمل اسم "اتحاد شباب العاطلين" وشعارها هو "عايز حقي" في العمل، وذلك على غرار العديد من الحركات الأهلية التي غمرت مصر مؤخرًا مع موجة الحراك السياسي الراهنة مثل الحركة المصرية من أجل التغيير؛ "كفاية" و"شايفينكم" وغيرها.
وقد بدأ التفكير في تأسيس الحركة من خلال مظاهرة نظمتها حركة "كفاية" أمام قصر عابدين الجمهوري في يوليو 2005م للعاطلين عن العمل، وتم تدشين الحركة رسميًّا في سبتمبر 2005م على يد عددٍ من الشباب العاطل بمحافظة دمياط شمال بلغ عددهم 40 شابًا، وجرى التأسيس العلني لأول اتحاد للعاطلين في مؤتمر بدمياط في الأول من أكتوبر 2005م حضرة 1500 شاب عاطل.
وطبقًا لعبد الرحيم رمضان- المتحدث باسم الاتحاد- فإنَّ الهدفَ من وراء هذه الحركة هو "انتزاع الحقوق والتخلي عن الصمت"، مشيرًا إلى أن الاتحاد ليس حزبًا سياسيًّا أو جمعيةً بل "دعوة للشرفاء في الوطن إلى إنقاذه من الغرق بعد أن اختطفه أبناء الصفوة الحاكمة والمتحكمين"، فيما يرى البدري فرغلي العضو السابق في مجلس الشعب المصري، وأحد مؤسسي اتحاد العاطلين أن "الفساد هو أحد أسباب البطالة في مصر".
ويأمل المسئولون عن هذه الحركة الوليدة التي بدأت بأربعين شابًا أن يتزايد أعضاؤها باستمرار في ضوء زيادة عدد العاطلين، وأن يكون مؤتمرها الشعبي الأول الذي عُقد بمقرِّ حزب التجمع في دمياط بعنوان "البطالة وعلاقتها بالفساد والآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها" بداية لسلسلة مؤتمرات تركز على أن استئصال الفساد يسهم في حل مشكلة البطالة.
المطلب السادس: مكافحة البطالة وإستراتيجيات غائبة
من السهولة بمكان انتقاد موقف الحكومة في مصر، و"إنجازها"، في مكافحة البطالة، فسجل "الإنجاز" غير مشجع، وعلى الرغم من فقر البيانات، تدل المؤشرات المتاحة على أن المشكلةَ تستفحل أكثر وأكثر كل عام.
ولا يمكن التوصل لحلٍ ناجحٍ لمشكلة البطالة في مصر إلا من خلال برنامج إستراتيجي، متعدد الأبعاد، ومحكمها، طويل الأجل تقوم عليه دولة (وليس مجرد حكومة) فعَّالة، فلم يعد رتق الثقوب أو الحلول الجزئية المتناثرة بكافٍ لتحقيق أثر ملموس على مثل هذه المشكلات الكبيرة. وبداهة فإن علاج البطالة يجب أن يكون على مختلف صنوف البطالة السافرة والمقنعة، وإيجاد فرص عمل كافية، يوظف فيها العاملون قدراتهم لأقصى حد، بما يحقق كفاءة إنتاجية عالية، ومتزايدة، من ناحية، ويوفر كسبًا مرتفعًا، ومتناميًا، يكفل إشباع الحاجات الأساسية للناس في المجتمع، وارتقاء مستوى الرفاه البشرى مع الزمن، من ناحية أخرى.
ويعني هذا الهدف المركب خلق فرص عمل أفضل من المتاح حاليًا، على جانبي الإنتاجية والكسب على حدٍّ سواء، وأكثر بكثير من المطلوب لمجرَّد مواجهة البطالة السافرة، بحيث يمكن للمشتغلين فعلاً في أي نقطة زمنية الانتقال لأعمال أعلى إنتاجية وأوفر كسبًا.
ومن جانبٍ آخر يتعين الارتقاء بنوعية رأس المال البشري، من خلال الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب المستمرين وفي الرعاية الصحية، مع إيلاء عناية خاصة للمستضعفين، من الفقراء والنساء، حتى يتأهل الأفراد في سوق العمل لفرص العمل الأفضل، وهذه مهمة تاريخية ليس لها إلا الدولة، وعلى حد وفائها بهذه المهمة سيتحدد مدى خدمتها لغاية التقدم.
وحيث لا يُتوقع أن يتمكَّن رأس المال الكبير، من خلق فرص العمل الكافية لمواجهة تحدي البطالة؛ نظرًا لتركيزه على الأنشطة الاقتصادية كثيفة رأس المال وخفيفة العمالة، فيتعين توفير البنية المؤسسية المواتية لقيام المشروعات الصغيرة بدورٍ مهمٍ في خلق فرص العمل، مع تخليق تضافر فعال بين المشروعات الصغيرة وقطاع الأعمال الحديث، ويطلب تحقيق ذلك الهدف، تمكين عموم الناس، خاصةً الفقراء، من الأصول الإنتاجية بالإضافةِ إلى رأس المال البشري.
ويأتي على رأس القائمة في هذا المقام الائتمان، بشروط ميسرة، وتوفير الأراضي والمياه في المناطق الريفية حيث يعيش كثرة الفقراء، كذلك يتعين أن توفر البيئة القانونية والإدارية لتسهيل قيام المشروعات الصغيرة ورعايتها، حيث تتسم هذه المشروعات بالضعف وارتفاع احتمال الفشل.
ويُمثل ذلك التوجه، إن قام، تحولاً جذريًّا في بيئة الاستثمار الحالية التي توفر الحوافز، كل الحوافز، لرأس المال الكبير، بينما تترك المستثمر الصغير، قليل الحيلة بالتعريف، يرزح تحت ثقل أقسى العوائق التمويلية والإدارية والتسويقية، وعلى وجه الخصوص، تعمل السياسات الزراعية والبيروقراطية وكذلك الاستثمارية الحالية على زيادة تركيز حيازة الأرض الزراعية بما ينذر باستشراء الفقر في الريف.
وقد تتطلب مكافحة البطالة، خاصةً في البداية، توفير فرص عمل من خلال الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية الأساسية.
وفي النهاية، فإنَّ بلوغ التوجهات الإستراتيجية السابقة غاياتها في مكافحة البطالة يتطلب تغييرات مؤسسية بعيدة المدى في البنية الاقتصادية والسياسية تشمل زيادة كفاءة سوق العمل في سياق تدعيم تنافسية الأسواق عامة وضبط نشاطها، في إطارٍ من سيادة القانون التامة واستقلال للقضاء غير منقوص، وإصلاح الخدمة الحكومية، وإقامة نظم فعالة للأمان الاجتماعي، وإصلاح نظم الحكم لتصبح معبرةً عن الناس بشفافية ومسئولة أمامهم بفعالية، ولتمكن من تقوية مؤسسات المجتمع المدني الجماهيرية بحق، حتى يصبح لعموم الناس، وللفقراء خاصة، صوت مسموع في الشأن العام.
وبديهي أيضًا أن مكافحة البطالة تقتضي رفع وتيرة النمو الاقتصادي، ويتطلب ذلك، بدايةً، زيادة معدلات الادخار والاستثمار.
ومن جانبٍ آخر، فإنه يجب توجيه العمل المتاح إلى نشاطات اقتصادية كثيفة العمل في ظل ظروف البطالة واسعة النطاق، وجُلَّها من الشباب، وجانب كبير منها من المؤهلين تعليميًّا، وإن كان في تخصصات غير متوائمة مع احتياجات سوق العمل وعلى مستوى نوعية منخفض، وفي مناخ اجتماعي يُحَقِّر العمل اليدوي، وهي كلها عوامل تقتضي تحوير نسق الحوافز المادية والمعنوية في المجتمع لتوجيه المتعطلين نحو فرص العمل المنتج التي تحتل حاليًا مكانة اجتماعية متدنية، مما يساعد على رفع قيمة العمل عامة، والعمل اليدوي خاصة.
وقد يقتضى كل هذا الأمر إنشاء نظام فعَّال للتدريب التعويضي لتأهيل المتعطلين لفرص العمل التي لا تتناسب متطلباتها مع قدراتهم الراهنة.






أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

مواضيع ذات صلة مع بحث عن العنف والفقر والجريمة في مصر - بحث علمى عن العنف والفقر والجريمة في مصر كامل بالتنسيق بصيغة word
بحث عن فتح مكة - بحث علمى عن فتح مكة كامل بالتنسيق بصيغة word من قسم بيت الطلبة والطالبات - المنتدى التعليمى
بحث عن فتح مصر - بحث علمى عن فتح مصر كامل بالتنسيق بصيغة word بحث عن فتح مصر - بحث علمى عن فتح مصر كامل بالتنسيق بصيغة word بحث عن فتح مصر - بحث علمى من قسم بيت الطلبة والطالبات - المنتدى التعليمى
دراسة علمية تؤكد: العنف داخل الأسرة يدمر استقرار المجتمع - دراسات سابقة عن العنف من قسم بيت الطلبة والطالبات - المنتدى التعليمى
بحث تعليمى كامل عن دور الخدمة الاجتماعية في مواجهة العنف المدرسي من قسم بيت الطلبة والطالبات - المنتدى التعليمى
بحث عن الامتثال - بحث تعليمى كامل جاهز عن الانحراف والجريمة جاهز word من قسم بيت الطلبة والطالبات - المنتدى التعليمى

الساعة الآن 04:21 AM.



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواد المنشورة بمنتديات انا لوزا لا تعبر عن سياسة ورأى إدارة الموقع ولكنها تعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط